إخوان الصفاء
315
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
والأعمال والحذق فيها والافتخار بها ، وشهوة العز والرفعة والترقي في غايات نهاياتها ، والشوق إليها والرغبة فيها ، والحرص في طلبها ، واحتمال الذّلّ والمشقة من أجلها ، والفرح والسرور من وجدانها ، واللّذة والراحة عند الوصول إليها ، والغمّ والحزن من فقدانها . فصل في اختلاف مناهج النفوس واعلم يا أخي بأن هذه الخصال مركوزة في جبلة الإنسان ، ولكن تختلف اختيارات كلّ واحد لها حسب ما تيسّر له وتتأكّد أسبابه ، وذلك أن من الناس من تيسّر له أسباب الصنائع والحرف ، وآخر أسباب العلوم والآداب ، وآخر تيسّر له أسباب العمل والتصرّف ، وآخر أسباب التّجارات والبيع والشراء ، وآخر أسباب الملك والسّلطان ، وآخر أسباب البطالة والفراغ ، وآخر أسباب الحكم والمعارف كما سنبيّنه بعد هذا الفصل . ومما أعطيت النفس الناطقة من نعم اللّه تعالى وخصّت به من إحسانه ، من بين نفوس سائر الحيوانات ، وأعينت به على البلوغ إلى أقصى مدى غاياتها ، وأيّدت للوصول إلى تمام نهاياتها ، هذا الهيكل العجيب البنية ، المحكم الصورة ، المتقن الصنعة الذي قد عجزت الحكماء عن كنه معرفته ، وتركيب بنيته من غرائب الصنعة مما قد وصف طرف منه في كتاب منافع الأعضاء وكتاب التشريح من كيفية انتصاب قامته من بين سائر الحيوانات ، وما خصّ به أيضا من فصاحة لسانه وغرائب لغاته وفنون أقاويله وحسن بيانه من بين سائرها ، وما خصّ به أيضا من طريف شكل يديه ، وما يتأتّى له بهما من الصنائع المحكمة والأعمال المتقنة من بين سائرها ، وما خصّ به أيضا من طرائف أدوات حواسّه وغرائب طرقات إدراكها للمحسوسات ، كما وصفنا في رسالة الحاسّ والمحسوس .