إخوان الصفاء

289

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

يتعجّب العقلاء أيضا من حذق صانعها . وأما صناعة المصوّرين فليست شيئا سوى محاكاتهم صور الموجودات المصنوعات الطبيعية أو البشرية أو النفسانيّة ، حتى إنه يبلغ من حذقهم فيها أن تصرف أبصار الناظرين إليها عن النظر إلى الموجودات أنفسها ، بالتعجّب من حسنها ورونق منظرها ؛ ويبلغ أيضا التفاوت بين صنّاعها تفاوتا بعيدا ، فإنه يحكى أن رجلا في بعض المواضع عمل صورا وتماثيل مصوّرة بأصباغ صافية وألوان حسنة برّاقة ، وكان الناظرون إليها يتعجّبون من حسنها ورونقها ، ولكن كان في الصّنعة نقص حتى مرّ بها صانع فاره « 1 » حاذق ، فتأمّلها فاستزرى بها وأخذ فحمة من الطريق ومثّل بجانب تلك التصاوير صورة رجل زنجيّ كأنه يشير بيديه إلى الناظرين . فانصرفت أبصار الناظرين بعد ذلك عن النظر إلى تلك التصاوير والاصباغ ، بالنظر اليه والتعجّب من عجيب صنعته وحسن إشارته وهيئة حركته . وأما شرف صناعة الموسيقى فمن وجهين اثنين : أحدهما من جهة الصّناعة نفسها ، والآخر من جهة تأثيراتها في النفوس ، وأيضا من جهة تفاوت ما بين صنّاعها ، وذلك ان الواحد منهم يضرب لحنا فيطرب بعض المستمعين ، وآخر يضرب لحنا فيطرب كل المستمعين . وقد يحكى ان جماعة من أهل هذه الصناعة كانوا مجتمعين في دعوة رجل كبير رئيس ، إذ دخل عليهم انسان رثّ الحال ، عليه ثياب النّسّاك ، فرفعه صاحب المجلس عليهم كلّهم ، فتبيّن الإنكار في وجوههم ، فأراد أن يبيّن فضله ، فسأله أن يسمعهم شيئا من صنعته ، فأخرج خشبات وركّبها تركيبا ، ومدّ عليها أوتارا كانت معه ، وحرّكها تحريكا ، فأضحك كل من كان في المجلس ، من اللّذّة والفرح ، ثم قلب وحرّك تحريكا آخر ، فأبكى كل من كان في المجلس ، من الحزن ورقة القلب ، ثم قلب وحرّك تحريكا ، فنوّم كلّ من كان في المجلس ، وقام وخرج فلم يعرف له خبر .

--> ( 1 ) فاره : حاذق .