إخوان الصفاء

290

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

واعلم يا أخي بأن الحذق في كل صنعة هو التشبّه بالصانع الحكيم الذي هو الباري ، جلّ ثناؤه ، ويقال إن اللّه تعالى يحب الصانع الفاره الحاذق . وروي عن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : إن اللّه تعالى يحب الصانع المتقن في صنعته . ومن أجل هذا قيل في حدّ الفلسفة انها التشبّه بالإله بحسب طاقة الإنسان . وانما أردنا بالتشبّه التشبّه في العلوم والصنائع وإفاضة الخير ، وذلك ان الباري ، جلّ ثناؤه ، أعلم العلماء وأحكم الحكماء وأصنع الصّنّاع وأفضل الأخيار ؛ فكلّ من زاد في هذه الأشياء درجة ، ازداد من اللّه قربه ، كما ذكر اللّه سبحانه في وصف الملائكة الذين هم خالص عباده فقال : « يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ » . واعلم يا أخي أن الوسيلة لا تكون إلّا بعمل أو علم أو عبادة ، لأن العباد لا يملكون شيئا سوى سعيهم كما ذكر اللّه ، عزّ وجلّ ، فقال : « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى » . فصل في قابلية الانسان الصنعة واعلم أن قبول الصّبيان تعلّم الصّنائع يختلف بحسب طباعهم المختلفة ؛ واختلاف طباعهم بحسب مواليدهم ، وقد شرحنا ذلك في رسالة تأثيرات النجوم في المواليد ، ولكن نريد أن نذكر هاهنا من ذلك طرفا ، فاعلم أن من الناس من هو مطبوع على تعلّم صناعة واحدة أو عدّة صنائع بسهولة في قبولها ، حتى أن كثيرا من الناس من يتعلّم صناعة بجودة قريحته ، إذا رأى أهل تلك الصّناعة في أعمالهم بأدنى تأمّل ، كأنه قد وقف عليها ؛ ومنهم من يحتاج إلى توقيف « 1 » شديد وحثّ دائم وترغيب ، وربما لا يفلح فيها إذا لم يكن فيها موافقا للطبيعة ، وما أوجبه له مولده ؛ ومن النّاس من

--> ( 1 ) توقيف : تعليم .