إخوان الصفاء
286
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
المصنوعة الطبيعيّة والصّناعيّة ، وغرضهم في جمعها وحفظها مخافة الفقر . والفقراء هم المحتاجون إليها وطلبهم الغنى . واعلم أن الغرض في كون الناس أكثرهم فقراء ، وخوف الأغنياء من الفقر ، هو الحثّ لهم على الاجتهاد في اتخاذ الصنائع ، والثبوت فيها ، والتّجارات ، والغرض فيهما جميعا هو إصلاح الحاجات ، وإيصالها إلى المحتاجين ؛ والغرض في ذلك متاع لهم إلى حين . والغرض في تمتّعهم إلى حين هو أن تتمّم النفس بالمعارف الحقيقية والأخلاق الجميلة والآراء الصحيحة والأعمال الزكيّة ، والغرض في تتميم النفس التمكين لها من الصعود إلى ملكوت السماء ، والغرض في صعودها إلى ملكوت السماء هو النجاة من بحر الهيولى وأسر الطبيعة ، والخروج من هاوية عالم الكون والفساد إلى فسحة عالم الأرواح ، والمكث هناك فرحا مسرورا ملتذّا مخلّدا أبدا . فصل في أن كل صناعة تحتاج إلى الفكر والتعقل واعلم يا أخي أنّا إنما ذكرنا هذه الصنائع والمهن ، ونسبنا هذه الرسالة إلى رسائل العقل والمعقول ، لأن هذه الصنائع يعملها الإنسان بعقله وتمييزه ورويّته وفكرته التي كلّها قوى روحانية عقلية . وأيضا ان كل عاقل إذا فكّر في هذه الصنائع والأفعال التي تظهر على أيدي البشر ، فيعلم أن مع هذا الجسد جوهرا آخر هو مظهر هذه الأفعال المحكمة ، وهذه الصنائع المتقنة من هذا الجسد ، لأن الجسد قد يوجد بعد الممات برمّته تامّا لم ينقص منه شيء ، وقد فقدت منه هذه كلّها ، فيعلم أن معه جوهرا آخر فارقه ، فمن أجل ذلك فقدت هذه الفضائل كلّها ، لأنه هو الذي كان يحرّك هذا الجسد وينقله من موضع إلى موضع في الجهات السّتّ ، وكان يحرّك أيضا بتوسّطه أشياء خارجة من ذاته ، وكان أيضا يحمل معه حملا على ظهره وكتفه ،