إخوان الصفاء

287

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فلما فارقه احتاج هذا الجسد إلى أربعة نفر يحملونه على لوح مطروحا عليه لا يطيق قياما ولا قعودا ولا حركة ، ولا يحس بوجوده ، ولا ما يفعل به من غسل ودفن . وقد زعم كثير من أهل العلم ممن ليست له خبرة بأمر النفس ، ولا معرفة بجوهرها أن هذه الصنائع المحكمة والأفعال المتقنة التي تظهر على أيدي البشر ، الفاعل لها هو هذا الجسد المؤلّف من اللحم والدم والشّحم والعظام والعصب بأعراض تحلّه مثل الحياة والقدرة والعلم وما شاكلها ، ولم يعرفوا أن هذه الأعراض ليس حلولها في الجسم ، وانما هي أعراض نفسانيّة تحلّ جوهر النفس ، وذلك أن الإنسان لما كان مجموعا من جسم ميّت ونفس حيّة ، وجدت هذه الأعراض في حال حياته ، وفقدت في حال مماته ، وليست الحياة شيئا سوى استعمال النفس الجسد ، ولا الممات شيئا سوى تركها استعماله ، كما أنه ليست اليقظة سوى استعمالها الحواسّ الخمس ، ولا النوم شيئا سوى تركها استعمالها . فصل في شرف الصنائع اعلم يا أخي بأن الصنائع يتفاضل بعضها على بعض من عدّة وجوه : إحداها من جهة الهيولى التي هي الموضوع فيها ، ومنها من جهة مصنوعاتها ، ومنها من جهة الحاجة الضّرورية الداعية إلى اتخاذها ، ومنها من جهة منفعة العموم ، ومنها من جهة الصناعة نفسها . فأما التي شرفها من جهة الحاجة الضرورية إليها فهي ثلاثة أجناس ، وهي الحياكة والحراثة والبناء كما ذكرنا قبل . وأما التي شرفها من جهة الهيولى الموضوع فيها فمثل صناعة الصاغة والعطّارين وما شاكلها . وأما التي من جهة مصنوعاتها فمثل صناعة الذين يعملون آلات الرّصد مثل الأسطرلاب وذوات الحلق والأكر الممثّلة بصورة الأفلاك وما شاكلها ، فإن قطعة من الصّفر قيمتها خمسة دراهم ، إذا عمل منها