إخوان الصفاء
285
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
والغرس محتاجة إلى إثارة الأرض وحفر الأنهار ، ولا يتمّ هذا إلّا بالمساحي « 1 » والفدن « 2 » وما شاكلها ، والمساحي والفدن لا تكون إلّا بصناعة النّجارة والحدادة ، دعت الضّرورة إلى اتخاذهما ؛ وصناعة الحديد محتاجة إلى صناعة المعدن وإلى صنائع أخرى ، فصارت كلّها تابعة وخادمة لصناعة الحراثة والغرس . ولما كان حبّ الزّرع وثمر الشجر يحتاج إلى الدّقّ والطّحن ، دعت الضّرورة إلى اتخاذ صناعة الطحن والعصر . ولما كان الطّحن لا يتمّ الغذاء به إلّا بعد الخبز ، دعت الضرورة إلى صناعة الخبز والطّبخ ، وكلّ واحد منهما محتاج إلى صناعة أخرى متمّمة له وخادمة . وأيضا لما كان الإنسان محتاجا إلى ما يكنّه من الحرّ والبرد ، والتّحرّز من السّباع ، وتحصين القوت ، دعته الضرورة إلى صناعة البناء ، وصناعة البناء محتاجة أيضا إلى صناعة النّجارة والحدادة ، وكلّ واحدة منهما محتاجة إلى صناعة أخرى معينة أو متمّمة بعضها لبعض . وأما صناعة الزّينة والجمال فهي كصناعة الديباج والحرير وصناعة العطر وما شاكلها . والصنائع كلّها الحذق فيها هو تحصيل الصّور في الهيولى وتتميمها وتكميلها ، لينال الانتفاع بها في الحياة الدّنيا حسب . واعلم يا أخي أن الناس كلّهم صنّاع وتجار أغنياء وفقراء ، فالصناع هم الذين يعملون بأبدانهم وأدواتهم في مصنوعاتهم الصّور والنقوش والأصباغ والأشكال ، وغرضهم طلب العوض عن مصنوعاتهم ، لصلاح معيشة الحياة الدنيا . والتجار هم الذين يتبايعون بالأخذ والإعطاء ، وغرضهم طلب الزيادة فيما يأخذونه على ما يعطون . والأغنياء هم الذين يملكون هذه الأجسام
--> ( 1 ) المساحي : جمع مسحاة ، وهي المجرفة من الحديد . ( 2 ) الفدن : جمع الفدان بالتخفيف ، وهو الفدّان بتشديد الدال ، أي الثوران يقرن بينهما للحرث .