إخوان الصفاء

234

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

مثل الثقيل الأول والثاني ؛ وما كان في المديح من معاني الشجاعة والإقدام والنشاط والحركة أن يكسوها من الألحان مثل الماخوريّ والخفيف وما يشاكلها . ومن حذق الموسيقار أيضا أن يستعمل الألحان المشاكلة للأزمان ، في الأحوال المشاكلة بعضها لبعض ، وهو أن يبتدئ في مجالس الدعوات والولائم والشّرب بالألحان التي تقوّم الأخلاق والجود والكرم والسخاء ، مثل ثقيل الأول وما شاكلها ، ثم يتبعها بالألحان المفرّحة المطربة ، مثل الهزج والرّمل ، وعند الرّقص والدّستبند « 1 » الماخوريّ وما شاكله ، وفي آخر المجلس ان خاف من السّكارى الشّغب والعربدة والخصومة أن يستعمل الألحان المليّنة المنوّمة الحزينة . فصل في نوادر الفلاسفة في الموسيقى يقال إنه اجتمعت جماعة من الحكماء والفلاسفة في دعوة ملك من الملوك ، فأمر أن يكتب كلّ ما يتكلّمون به من الحكمة ، فلما غنّى الموسيقار لحنا مطربا ، قال أحد الحكماء : ان للغناء فضيلة يتعذّر على المنطق إظهارها ، ولم يقدر على إخراجها بالعبارة ، فأخرجها النّفس لحنا موزونا ، فلما سمعتها الطبيعة استلذّتها وفرحت وسرّت بها ، فاسمعوا من النفس حديثها ومناجاتها ، ودعوا الطبيعة والتأمل لزينتها لا تغرنكم . وقال آخر : احذروا عند استماع الموسيقى أن تثور بكم شهوات النفس البهيميّة نحو زينة الطبيعة ، فتميل بكم عن سنن « 2 » الهدى ، وتصدّكم عن مناجاة النفس العليا . وقال آخر للموسيقار : حرّك النفس نحو قواها الشريفة من الحلم والجود والشجاعة والعدل والكرم

--> ( 1 ) الدستبند : لعبة للمجوس يدورون وقد امسك بعضهم يد بعض كالرقص . ( 2 ) السنن : نهج الطريق وجهته .