إخوان الصفاء

233

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في الانتقال من طبقات الألحان واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، ان اللّه ، جلّ جلاله ، جعل بواجب حكمته لكلّ جنس من الموجودات حاسّة مختصّة بإدراكها ، وقوة من قوى النّفس تنالها بها وتعرفها بطريقها ، لا تنال بطريقة أخرى ، وجعل أيضا في جبلة كلّ حاسّة درّاكة ، أو قوة علّامة ، أن تستلذّ من إدراك محسوساتها ، وتتشوّق إليها إذا فقدتها وملّت منها إذا دامت عليها ، وتستروح « 1 » إلى غيرها من أبناء جنسها ، مثل ما هو معروف بين الناس في مأكولاتهم ومشروباتهم ، وملبوساتهم ، ومشموماتهم ، ومبصراتهم ، ومسموعاتهم ؛ فالموسيقار الحاذق الفاره « 2 » هو الذي إذا علم بأن المستمعين قد ملّوا من لحن ، غنّى لهم لحنا آخر ، إما مضادّا له أو مشاكلا له . واعلم يا أخي ان الخروج من لحن إلى لحن ، والانتقال منه ليس له طريق إلا على أحد الوجهين ، إما أن يقطع ويسكت ويصلح الدّساتين والأوتار بالحزق « 3 » والارخاء ، ويبتدئ ويستأنف لحنا آخر ، أو يترك الأمر بحاله ، ويخرج من ذلك اللحن إلى لحن آخر قريب منه مشاكل له ، وهو أن ينتقل من الثقيل إلى خفيفه ، أو من الخفيف إلى ثقيله أو إلى ما قارب منه . والمثال في ذلك أنه إذا أراد ان ينتقل من خفيف الرّمل إلى الماخوريّ أن يقف عند النقرتين الأخيرتين من ثقيل الرّمل ثم يتلوهما بنقرة ، ثم يقف وقفة خفيفة ، ثم يبتدئ بالماخوريّ ؛ ومن حذق الموسيقار أيضا أن يكسو الاشعار المفرّحة الألحان المشاكلة لها ، مثل الأرمال والأهزاج ، وما كان منها من المديح في معاني المجد والجود والكرم أن يكسوها من الألحان المشاكلة لها

--> ( 1 ) تستروح : تجد الراحة ، وتستأنس . ( 2 ) الفاره : الحاذق . ( 3 ) الحزق : جذب الوتر بشدة .