إخوان الصفاء
196
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل في تأثر الأمزجة بالأصوات اعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن أمزجة الأبدان كثيرة الفنون ، وطباع الحيوانات كثيرة الأنواع ، ولكلّ مزاج وكلّ طبيعة نغمة تشاكلها ، ولحن يلائمها لا يحصي عددها إلّا اللّه عزّ وجلّ . والدليل على حقيقة ما قلنا ، وصحة ما وصفنا ، أنك تجد إذا تأمّلت لكلّ أمة من الناس ألحانا ونغمات يستلذونها ويفرحون بها ، لا يستلذّها غيرهم ولا يفرح بها سواهم ، مثل غناء الدّيلم والأتراك والأعراب والأرمن والزّنج والفرس والروم وغيرهم من الأمم المختلفة الألسن والطّباع والأخلاق والعادات . وهكذا أيضا انك تجد في الأمّة الواحدة من هذه أقواما يستلذّون ألحانا ونغمات ، وتفرح نفوسهم بها ، ولا يسرّ بها من سواهم . وهكذا أيضا ربما تجد إنسانا واحدا يستلذّ وقتا ما لحنا ويسرّه ، ووقتا آخر لا يستلذّه بل ربما يكرهه ويتألم منه . وهكذا تجد حكمهم في مأكولاتهم ومشروباتهم وفي مشموماتهم وملبوساتهم وسائر الملاذّ والزينة والمحاسن ، كلّ ذلك بحسب تغيّرات أمزجة الأخلاط ، واختلاف الطبائع ، وتركيب الأبدان ، والأماكن والأزمان ، كما بيّنّا طرفا من ذلك في رسالة الأخلاق . فصل في أصول الألحان وقوانينها اعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، ان لكل أمة من الناس ألحانا من الغناء وأصواتا ونغمات لا يشبه بعضها بعضا ولا يحصي عددها كثرة إلّا اللّه تعالى الذي خلقهم وصوّرهم وطبعهم على اختلاف أخلاقهم وألسنتهم وألوانهم ، ولكن نريد أن نذكر أصول الغناء وقوانين الألحان التي منها يتركب سائرها ، وذلك ان الغناء مركّب من الألحان ، واللحن مركّب