إخوان الصفاء
147
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
أفلاكها وأوجاتها ، وتقرب من تلك الأشخاص الفاضلة التي تسمى الكواكب الثابتة ، وتستمدّ منها النور والفيض والقوى ؛ وتارة تنحطّ إلى الحضيض ، وتقرب من عالم الكون والفساد ، وتوصل تلك الفيضات والقوى إلى هذه الأشخاص السّفلية ، فتسري فيها كما تسري قوة النفس الحيوانية في الدماغ ، ثم بتوسّط الأعصاب تصل إلى سائر أطراف البدن ، كما بيّنا كيفيّتها في رسالة الحاسّ والمحسوس . فإذا وصلت تلك القوى والفيضات مع شعاعاتها إلى هذا العالم فإنها تسري أولا في الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض ، ثم يكون ذلك سببا لكون الكائنات التي هي المعادن والنبات والحيوان ، ويكون اختلاف أجناسها وأنواعها بحسب اختلاف أشكال الفلك . واختلاف الأماكن واختلاف الأزمان لا يعلم أحد كثرتها وفنون أشخاصها وتفاوت أوصافها إلّا اللّه ، جلّ ثناؤه ، الذي هو خالقها وبارئها ومنشئها ومصوّرها كيف شاء . فصل في بيان كيفية سعادات الكائنات ومناحسها اعلم أن الفلك المحيط دائم الدوران كالدولاب من المشرق إلى المغرب ، ومن المغرب إلى المشرق ، والكواكب أيضا هكذا دائمة ، وان الحركات على توالي البروج كما هو بيّن في الزيجات والتقاويم ، وهكذا أيضا الكائنات دائمة في الكون والفساد ، متصلة لا تنقطع ليلا ولا نهارا ، ولا شتاء ولا صيفا . ولكن إذا اتّفق في وقت من الزمان أن تكون الكواكب السيّارة في أوجاتها أو أشرافها أو بيوتها أو حدودها ؛ أو يكون بعضها من بعض على النّسبة الفضلى التي تسمى النسبة الموسيقية ، وهي النّصف والثّلث والرّبع والثّمن ، سرت تلك القوى عند ذلك من النفس الكليّة ، ووصلت بتوسّط تلك الكواكب إلى هذا العالم السّفلي الذي هو دون فلك القمر ،