إخوان الصفاء
148
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وحدث بذلك السبب الكائنات على أعدل مزاج واصحّ طبائع وأجود نظام ، ونشأت ونمت وتمّت وكملت وبلغت إلى أقصى مدى غاياتها ، وتمام نهاياتها التي هي قاصدة نحوها ، وتسمى تلك الأحوال والأوصاف وما يتكوّن عنها سعادة وخيرات . وإذا اتفق أن يكون شكل الفلك ومواضع الكواكب على ضدّ ذلك ، كان أمر الكائنات بالضّدّ أيضا ، وتناقصت من بلوغ غاياتها وتمام نهاياتها ، وسمّيت تلك مناحس الفلك وسبب الشّرور ، ولا يكون ذلك بالقصد الأول ، ولكن بأسباب عارضة ، كما بيّنا في رسالة الآراء والمذاهب في باب علل الشرور وأسبابها ، فاعرفها من هناك ، إن شاء اللّه وحده . فصل في علة اختلاف تأثيرات الكواكب في الكائنات الفاسدات التي دون فلك القمر اعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن إشراق الكواكب على الهواء ومطارح شعاعاتها على مركز الأرض على سنن واحد ، ولكن قبول القابلات لها ليس بواحد ، بل مختلف بحسب اختلاف جواهرها . مثال ذلك أن الشّمس ، إذا أشرقت من الأفق أضاءت الهواء من نورها ، وسخن وجه الأرض من انعكاس شعاعاتها ، كما بيّنا في رسالة الآثار العلوية ، وجفّ الطّين وذاب الثلج ولان الشّمع ، ونضج الثمر ، ونتن اللحم ، وابيضّت ثياب القصّارين ، واسودّت وجوههم ، وانعكس الشّعاع من السطوح الصقيلة الوجوه كوجه المرايا ، وسرى الضّوء في الأجسام الشّفّافة كالزّجاج والبلّور والمياه الصافية ، وقويت أبصار أكثر الحيوانات ، وضعفت أبصار بعضها كالبوم والخفافيش ، وبنات وردان « 1 » ، وما شاكلها من الحيوانات ،
--> ( 1 ) بنات وردان : فصيلة من الحشرات تكثر في الأماكن الرطبة ، وتعرف عند العامة بالصراصير .