إخوان الصفاء

102

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

واعلم يا أخي أنك إذا توهّمت حركة هذه النقطة على سمت واحد ، حدث في فكرك خطّ وهميّ مستقيم ؛ وإذا توهّمت حركة هذا الخطّ في غير الجهة التي تحرّكت إليها النّقطة ، حدث في فكرك سطح وهميّ ؛ وإذا توهّمت حركة هذا السطح في غير الجهة التي تحرّك إليها الخطّ والنّقطة ، حدث في وهمك جسم وهميّ له ستة سطوح مربّعات قائمة الزوايا وهو المكعّب . وإن كانت مسافة حركة السطح أقلّ من مسافة حركة الخط ، حدث من ذلك جسم لبنيّ ؛ وإن كان أكثر من ذلك ، حدث من ذلك جسم بئريّ ؛ وإن كانت متساوية حدث مكعّب . واعلم يا أخي بأن كل خطّ مستقيم مفروض في الوهم ، فلا بدّ له من نهايتين وهما رأساه ويسمّيان النّقطتين الوهميّتين . وإذا توهّمت أنه تحرّكت إحدى النّقطتين وسكنت الأخرى حتى رجعت إلى حيث ابتدأت بالحركة ، حدث في فكرك من ذلك سطح مدوّر وهميّ وتكون النقطة الساكنة مركز الدائرة ، والنّقطة المتحرّكة التي قد حدثت في فكرك بحركتها محيط الدائرة . ثم اعلم بأن أول سطح يحدث من حركتها ثلث الدائرة ، ثم ربع الدائرة ، ثم نصف الدائرة ، ثم الدائرة . وإذا توهّمت ان الخطّ المقوّس الذي هو نصف محيط الدائرة سكن رأساه جميعا ، وتحرّك الخط نفسه حتى يرجع إلى حيث ابتدأ بالحركة ، حدث في فكرك من حركتها جسم كريّ . فقد بان لك بما ذكرنا أن الهندسة العقليّة هي النظر في الأبعاد الثلاثة التي هي الطول والعرض والعمق خلوا من الأجسام الطبيعيّة ، وذلك أن الناظرين في الهندسة الحسيّة التي تقدّم ذكرها إذا ارتاضوا فيها وقويت أفكارهم بالنظر فيها ، انتزعوا هذه الابعاد الثلاثة التي هي الخطّ والسطح والجسم ، وصورها في نفوسهم لتلك الأبعاد المصوّرة كالهيولى وهي فيها كالصورة يسمّونها مقادير مساحيّة ، ويستغنون عن النظر إلى المقادير الحسيّة ، ثم يتكلمون عليها