نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
97
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
قال لأنه أغضبني فلو عزرته لكان ذلك لغضب نفسي ولا أحب أن أضرب مسلما لحمية نفسي . وروي عن ميمون بن مهران أن جارية له جاءت بمرقة فعثرت فصبت المرقة عليه فأراد ميمون أن يضربها فقالت الجارية يا مولاي استعمل قول اللّه تعالى وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ فقال قد فعلت ، فقالت اعمل بما بعده وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال قد عفوت ، فقالت اعمل بما بعده وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فقال ميمون أحسنت إليك فأنت حرة لوجه اللّه تعالى . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « من لم يكن فيه ثلاث خصال لم يجد طعم الإيمان : حلم يردّ به جهل الجاهل ، وورع يحرزه عن المحارم ، وخلق يداري به الناس . وذكر عن بعض المتقدمين أنه كان له فرس وكان معجبا به ، فجاء ذات يوم فوجده على ثلاث قوائم فقال لغلامه من صنع به هذا ؟ فقال أنا ، قال : لم ؟ قال أردت أن أغمك ، قال لا جرم لأغمنّ من أمرك به : يعني الشيطان : اذهب فأنت حر والفرس لك . ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : ينبغي للمسلم أن يكون حليما صبورا فإن ذلك من خصال المتقين وقد مدح اللّه تعالى الحليم في كتابه فقال تعالى وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ يعني من صبر على الظلم وتجاوز عن ظالمه وعفا عنه إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يعني من حقائق الأمور التي يثاب فاعلها على ذلك وينال أجرا عظيما وقال في آية أخرى وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ يعني لا تستوي الكلمة الحسنة والكلمة السيئة يعني لا ينبغي للمسلم أن يكافىء كلمة حسنة بكلمة قبيحة ثم قال ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني ادفع الكلمة القبيحة بالكلمة التي هي أحسن فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ يعني إنك إذا فعلت ذلك صار عدوّك صديقا لك مثل القريب وقد مدح اللّه تعالى خليله إبراهيم عليه السّلام بالحلم فقال إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ فالحليم المتجاوز والأواه الذي يذكر ذنوبه ويتأوّه ، والمنيب الذي أقبل على طاعة اللّه تعالى ، وقد أمر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالصبر والحلم وأخبره أن الأنبياء الذين كانوا قبله كانوا على ذلك فقال تعالى فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ يعني اصبر على تكذيب الكفار وأذاهم كما صبر الأنبياء الذين أمروا بالقتال مع الكفار ، وأولو العزم هم ذوو الحزم وهم الذين يثبتون على الأمر ويصبرون عليه ، وقال الحسن في قول اللّه تعالى وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً يعني قالوا حلما وإن جهل عليهم حلموا . وروي عن وهب بن منبه رضي اللّه تعالى عنه قال : كان عابد في بني إسرائيل أراد الشيطان أن يضله فلم يستطع ، فخرج العابد ذات يوم لحاجة وخرج الشيطان معه لكي يجد منه فرصة ، فأتاه من قبل الشهوة والغضب فلم يستطع منه على شيء ، فأتاه من قبل الخوف وجعل يدلي عليه صخرة من الجبل فإذا بلغته ذكر اللّه تعالى فنأت عنه ، ثم جعل يتمثل بالأسد والسباع فذكر اللّه تعالى فلم يبال به ، ثم جعل يتمثل له بالحية وهو يصلي فجعل يلتوي على قدميه وجسده حتى بلغ رأسه ، وكان إذا أراد السجود التوى في موضع رأسه من السجود يعني وجهه فلما وضع رأسه ليسجد فتح فاه ليلتقم رأسه فجعل ينحيه حتى استمكن من الأرض ليسجد ، فلما فرغ من صلاته وذهب جاء إليه الشيطان فقال أنا فعلت