نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
94
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
الموت . وقيل : مرّ الحسن البصري بشاب وهو يضحك فقال له يا بنيّ : هل جزت على الصراط ؟ قال لا ، فقال هل تبين لك إلى الجنة تصير أم إلى النار ؟ قال لا ، قال ففيم هذا الضحك ؟ قال : فما رؤي الفتى ضاحكا بعده قط : يعني أن قول الحسن وقع في قلبه فتاب عن الضحك وهكذا كان العلماء في ذلك الزمان : إنهم كانوا إذا تكلموا بالموعظة وقع كلامهم موقعا لأنهم كانوا يعلمون بالعلم فينفع علمهم غيرهم ، فأما علماء زماننا فإنهم لا يعملون بعلمهم فلا ينفع علمهم غيرهم . وروي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال : من أذنب ذنبا وهو يضحك دخل النار وهو يبكي . ويقال : أكثر الناس ضحكا في الدنيا أكثرهم بكاء في الآخرة ، وأكثرهم بكاء في الدنيا أكثرهم ضحكا في الجنة . قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه اللّه تعالى : أربع خصال لم يبقين للمؤمن ضحكا ولا فرحا : همّ المعاد ، يعني همّ الآخرة ، وشغل المعاش ، وغم الذنوب ، وإلمام المصائب : يعني ينبغي للمؤمن أن يكون مشغولا بهذه الأشياء الأربعة لتمنعه عن الضحك فإن الضحك ليس من خصال المؤمن ، وقد عيّر اللّه تعالى أقواما بالضحك فقال أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ . وَأَنْتُمْ سامِدُونَ ومدح أقواما بالبكاء فقال تعالى وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ ويقال غم الأحياء خمسة أشياء ، فينبغي لكل إنسان أن يكون غمه في هذه الخمسة : أوّلها غم الذنوب الماضية لأنه قد أذنب ذنوبا ولم يتبين له العفو فينبغي أن يكون مغموما به مشغولا بها ، والثاني أنه قد عمل الحسنات ولم يتبين له القبول ، والثالث قد علم حياته فيما مضى كيف مضى ولا يدري كيف يكون الباقي ، والرابع قد علم أن للّه تعالى دارين ولا يدري إلى أية داريه يصير ، والخامس لا يدري أن اللّه تعالى راض عنه أم ساخط عليه فمن كان غمه في هذه الأشياء الخمسة في حياته فإنه يمنعه عن الضحك ، ومن لم يكن غمه في هذه الأشياء الخمسة في حياته فإنه يستقبله بعد الموت خمسة من الغموم : أوّلها حسرة ما خلف من التركة التي جمعها من الحلال وتركها لورثته الأعداء ، والثاني ندامة تسويف الأعمال الصالحة فيرى في كتابه عملا قليلا فيستأذن في الرجوع ليعمل صالحا فلا يؤذن له ، والثالث ندامة الذنوب فيرى في كتابه ذنوبا كثيرة فيستأذن في الرجوع ليتوب فلا يؤذن له ، والرابع يرى لنفسه خصوما كثيرة ولا يتهيأ له أن يرضيهم إلا بأعماله ، والخامس وجد اللّه تعالى عليه غضبانا ولا يمكنه أن يرضيه ، وروى أبو ذر الغفاري رضي اللّه تعالى عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، ولو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى ربكم وتبكون ، ولو تعلمون ما أعلم ما انبسطتم إلى نسائكم ولا تقاررتم على فرشكم ، ولوددت أن اللّه خلقني يوم خلقني شجرة تعضد » وروى يونس عن الحسن البصري أنه قال : المؤمن باللّه تعالى يمسي حزينا ويصبح حزينا ، وكان الحسن البصري قلما رأيته إلا كرجل أصيب بمصيبة محدثة . وروي في رواية أخرى : أنه ما رؤي الحسن إلا كأنه رجع من دفن أمه . وروي عن الأوزاعي في قول اللّه عز وجل ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها قال الصغيرة التبسم ، والكبيرة القهقهة ، يعني أن القهقهة من الكبائر . وروي