نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
89
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
وأنت تحمل فيما بين ذلك العذرة ، فترك المهلب مشيته تلك . وقال بعض الحكماء : افتخار العبد المؤمن بربه وعزه بدينه ، وافتخار المنافق بحسبه وعزه بماله . وروي عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إذا رأيتم المتواضعين فتواضعوا لهم وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم ، فإن ذلك لهم صغار ومذلة ، ولكم بذلك صدقة » . وروى أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ما تواضع رجل للّه إلا رفعه اللّه تعالى » . وروي عن عمر رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : رأس التواضع أن تبدأ بالسلام على من لقيت من المسلمين ، وأن ترضى بالدون من المجلس ، وأن تكره أن تذكر بالبرّ . والتقوى . ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن الكبر من أخلاق الكفار والفراعنة والتواضع من أخلاق الأنبياء والصالحين لأن اللّه تعالى وصف الكفار بالكبر فقال إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وقال وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ وقال إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ وقال ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وقال إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وقد مدح اللّه عباده المؤمنين بالتواضع فقال وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً يعني ، متواضعين ، ومدحهم بتواضعهم وأمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالتواضع فقال وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ومدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بخلقه فقال وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وكان خلقه التواضع لأنه روي في الخبر أنه كان يركب الحمار ، ويجيب دعوة المملوك فثبت أن التواضع من أحسن الأخلاق ، وكان الصالحون من قبل أخلاقهم التواضع فوجب علينا أن نقتدي بهم رضي اللّه تعالى عنهم . وذكر عن عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى أنه أتاه ذات ليلة ضيف فلما صلى العشاء وكان يكتب شيئا والضيف عنده كاد السراج أن ينطفئ ، فقال الضيف يا أمير المؤمنين أقوم إلى المصباح فأصلحه ؟ قال ليس من مروءة الرجل أن يستعمل ضيفه . قال أفأنبه الغلام ؟ قال : لا ، هي أوّل نومة نامها ، فقام عمر وأخذ البطة فملأ المصباح « فقال الضيف قمت بنفسك يا أمير المؤمنين ؟ قال ذهبت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر وخير الناس عند اللّه من كان متواضعا . وروي عن قيس بن أبي حازم أنه قال : لما قدم عمر بن الخطاب إلى الشام تلقاه علماؤها وكبراؤها فقيل اركب هذا البرذون يرك الناس ، فقال إنكم ترون الأمر من ههنا ، إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء ، خلوا سبيلي . وروي في رواية أخرى أن عمر رضي اللّه تعالى عنه جعل بينه وبين غلامه مناوبة فكان يركب الناقة ويأخذ الغلام بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ ثم ينزل ويركب الغلام ويأخذ عمر بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ ، فلما قربا من الشام كانت نوبة ركوب الغلام فركب الغلام وأخذ عمر بزمام الناقة فاستقبله الماء في الطريق فجعل عمر يخوض في الماء ونعله تحت إبطه اليسرى وهو آخذ بزمام الناقة ، فخرج أبو عبيدة بن الجراح وكان أميرا على الشام وقال يا أمير المؤمنين إن عظماء الشام يخرجون إليك