نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
56
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
وروي عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أنه مرّ ذات يوم في موضع من نواحي الكوفة فإذا الفساق قد اجتمعوا وهم يشربون الخمر وفيهم مغنّ يقال له زاذان وكان يضرب ويغني وكان له صوت حسن ، فلما سمع ذلك عبد اللّه بن مسعود قال : ما أحسن هذا الصوت لو كان لقراءة كتاب اللّه تعالى ، وجعل الرداء في رأسه ومضى فسمع زاذان قوله فقال : من كان هذا ؟ قالوا عبد اللّه بن مسعود صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : فأي شيء قال ؟ قالوا إنه قال ما أحسن هذا الصوت لو كان لقراءة القرآن ، فدخلت الهيبة في قلبه فقام وضرب العود على الأرض فكسره ثم أسرع حتى أدركه وجعل المنديل في عنق نفسه وجعل يبكي بين يدي عبد اللّه فاعتنقه عبد اللّه وجعل يبكي كل واحد منهما ، ثم قال عبد اللّه كيف لا أحب من قد أحبه اللّه تعالى ، فتاب من ذنوبه وجعل يلازم عبد اللّه حتى تعلم القرآن وأخذ حظا من القرآن والعلم حتى صار إماما في العلم . وقد جاء في كثير من الأخبار عن زاذان عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنهما . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه تعالى : سمعت أبي يحكي أن في بني إسرائيل كانت امرأة بغيا وكانت مفتنة للناس بجمالها وكان باب دارها أبدا مفتوحا فكل من مرّ ببابها رآها قاعدة في دارها على السرير بحذاء الباب فكل من نظر إليها افتتن بها فإذا أراد الدخول إليها احتاج إلى إحضار عشرة دنانير أو أقل أو أكثر حتى تأذن له بالدخول عليها ، فمرّ بها ذات يوم عابد من العباد فوقع بصره في الدار وهي قاعدة على السرير فافتتن بها فجعل يجاهد نفسه ويدعو اللّه تعالى ليزيل ذلك من قلبه فلم يزل ذلك عنه وكان يكابد نفسه المكابدة الشديدة حتى باع قماشا كان له وجمع من الدنانير ما يحتاج إليه فجاء إلى بابها وأمرت أن يسلم ذلك إلى وكيل لها وواعدته وقتا لمجيئه فجاء إليها في ذلك الوقت وقد تزينت وجلست في بيتها على سريرها فدخل عليها العابد وجلس معها على السرير ، فلما مد يده إليها وانبسط إليها تداركه اللّه تعالى برحمته وبركة عبادته المتقدمة فوقع في قلبه أن اللّه تعالى يراني في هذه الحالة فوق عرشه وأنا في الحرام وقد أحبط عملي كله ، فوقعت الهيبة في قلبه وارتعدت فرائصه وتغير لونه فنظرت المرأة إليه فرأته متغير اللون فقالت أيّ شيء أصابك ؟ قال إني أخاف ربي فأذني لي بالخروج ، فقالت له ويحك إن كثيرا من الناس يتمنون الذي وجدته فأي شيء هذا الذي أنت فيه ، فقال لها إني أخاف اللّه تعالى وإن المال الذي دفعته إليك هو حلال لك فأذني لي بالخروج ، فقالت له كأنك لم تعمل هذا العمل قط ؟ قال لا فقالت المرأة من أين أنت وما اسمك ؟ فأخبرها أنه من قرية كذا واسمه كذا ، فأذنت له بالخروج فخرج من عندها وهو يدعو بالويل والثبور ويبكي على نفسه ويحثو التراب على رأسه ، فوقعت الهيبة في قلب المرأة ببركة ذلك العابد فقالت في نفسها : إن هذا الرجل أول ذنب أذنبه وقد دخل عليه من الخوف ما دخل وإني قد أذنبت منذ كذا وكذا سنة وإن ربه الذي يخاف منه هو ربي فخوفي منه ينبغي أن يكون أشدّ ، فتابت إلى اللّه تعالى وأغلقت بابها عن الناس ولبست ثيابا خلقة وأقبلت على العبادة وكانت في