نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

52

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

التوبة للتائبين مفتوح من قبل المغرب مسيرة أربعين سنة لا يغلق عليهم حتى تطلع الشمس من مغربها . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه تعالى : حدثنا أبي رحمه اللّه تعالى ، حدثنا أبو الحسين الفراء ، حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق ، حدثنا عبد الرحمن بن حبيب عن إسماعيل عن يحيى عن أبي لهيعة عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « التوبة معلقة في الهواء تنادي الليل والنهار لا تفتر من يقبلني لا يعذب فهي الدهر كله على هذا حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت الشمس من مغربها رفعت » ففي هذه الأخبار حث على التوبة وفيها بيان أن العبد إذا تاب قبلت التوبة منه ، واللّه تعالى دعا المؤمنين إلى التوبة فقال : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يعني لكي تنجوا من عذابه وتنالوا من رحمته فبين اللّه تعالى أن التوبة مفتاح كل خير وأن فلاح المؤمن في توبته ، وأمر المؤمن بالتوبة فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ثم بين ما لهم من الكرامة في التوبة فقال تعالى عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني يتجاوز عنكم ذنوبكم وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني يعطيكم في الآخرة بساتين تجري من تحت غرفها ومساكنها وأشجارها الأنهار ، وأخبرهم أنه غفار لذنوب التوّابين فقال عز ذكره وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني الكبائر أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني دون الكبائر ، ويقال أو هنا بمعنى الواو ، ومعناه والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه : يعني خافوا اللّه عند المعصية فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا اللّه وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا يعني لم يثبتوا على معصيتهم وهم يعلمون أنها معصية . وروى سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إني لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم مائة مرة » وفي خبر آخر قال : « يا أيها الناس توبوا إلى اللّه فإني أتوب إليه في اليوم والليلة مائة مرة » فإذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يستغفر ويتوب وقد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فالذي لم يظهر حاله أنه أغفر له أم لا كيف لا يتوب إلى اللّه تعالى في كل وقت وكيف لا يجعل لسانه أبدا مشغولا بالاستغفار ؟ وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما في قول اللّه تعالى بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ يعني يقدم ذنوبه ويؤخر توبته ويقول سأتوب حتى يأتيه الموت على شر ما كان عليه فيموت عليه . وروي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « هلك المسوفون » والمسوف من يقول سوف أتوب ، فالواجب على كل إنسان أن يتوب إلى اللّه تعالى في كل وقت حتى يأتيه الموت وهو تائب لأن اللّه تعالى قابل التوبة حيث قال وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ يعني يتجاوز عن سيئاتهم إذا تابوا ورجعوا فالتوبة أن يندم على ذنبه بالقلب ويستغفر باللسان ويضمر أن لا يرجع إليه أبدا . قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه :