نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

315

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

للمتعلم أن يعظم أستاذه فإن تعظيمه يظهر فيه بركة العلم ، وإذا استخف به ذهبت عنه بركة العلم : وينبغي للمتعلم أن يداري الناس لأنه يقال خير الناس من يداري وشرّ الناس من يماري . ويقال إنما ينتفع المتعلم بكلام العالم إذا كان في المتعلم ثلاث خصال : التواضع في نفسه ، والحرص على التعلم ، والتعظيم بالعالم . فبتواضعه ينجع فيه العلم ، وبحرصه يستخرج العلم ، وبتعظيمه يستعطف العلماء . الباب الخامس عشر : في قبول القضاء وعدم قبوله ( قال الفقيه ) أبو الليث رحمه اللّه تعالى : اختلف الناس في قبول القضاء : قال بعضهم : لا ينبغي أن يقبل القضاء ، وقال بعضهم : إذا ولي بغير طلب منه فلا بأس بأن يقبل إذا كان يصلح لذلك الأمر ، وهذا قول أصحابنا : أما من كره ذلك فاحتج بما روت عائشة رضي اللّه تعالى عنها عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « يجاء بقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يودّ أن لم يكن قضى بين اثنين » وروى أبو هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « من جعل قاضيا فكأنما ذبح بغير سكين » وروى شريك عن الحسن البصري قال : كانت بنو إسرائيل إذا استقضى الرجل منهم أيس له به من النبوة . وروى أبو أيوب قال : دعي أبو قلابة للقضاء فهرب حتى أتى الشام فوافق ذلك عزل قاضيها ، فهرب واختفى حتى أتى اليمامة فلقيته بعد ذلك فقال : ما وجدت مثل القضاء إلا كمثل سابح في البحر فلم يحسن أن يسبح حتى غرق . وروي عن سفيان الثوري أنه دعي إلى القضاء فهرب إلى البصرة واختفى ، فبعث أمير المؤمنين في طلبه فلم يقدروا عليه فمات وهو متوار ، وروي عن أبي حنيفة رحمه اللّه أنه ابتلي بالضرب والحبس فلم يقبل حتى مات : وأما حجة من قال بأنه لا بأس به فما روي عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « من أراد القضاء وسأل عليه الشفعاء وكل إلى نفسه ، ومن أكره عليه نزل عليه ملك يسدده » وعن الحسن أنه قال : كان يقال لأجر حكم عدل يوما واحدا أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال لعبد الرحمن بن سمرة « لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها » وروي عن أبي موسى الأشعري أن رجلين دخلا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسألاه فقالا استعملنا على بعض أعمالك فإن عندنا خيرا وأمانة ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنا لا نستعمل على عملنا من أراده وطلبه » . الباب السادس عشر : في آداب القاضي ( قال الفقيه ) أبو الليث رحمه اللّه : ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في المجلس والنظر وفي غيره كما جاء في الأثر . روت أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « إذا ابتلي أحدكم بالقضاء فليسوّ بين الخصمين في المجلس والإشارة والنظر ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر مما على الآخر ، وينبغي للقاضي أن يكون في قضائه فارغ القلب » وقد روى أبو سعيد الخدري رضي اللّه