نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
308
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
جميعا . وأما حجة الطائفة الأخرى فما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أنه قال لعمرو بن العاص : إقض بين هذين ، فقال أقضي وأنت حاضر ؟ فقال : نعم ، قال : على ما ذا اقضي ؟ قال : على أنك إن أصبت فلك عشر حسنات ، وإن أخطأت فلك أجر واحد » . فقد بين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن المجتهد في اجتهاده قد يخطئ وقد يصيب ، ولأن اللّه تعالى قال وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إلى قوله تعالى فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ فمدح اللّه تعالى سليمان بأنه أدرك بفهمه ما لم يدرك به داود عليهما السّلام ، ولو كان كلا الحكمين صوابا في اجتهاد الرائي لكان لا يستوجب المدح بفهمه ، ولو كان أحد القولين خطأ فقد رفع الإثم عنه لأنه كان مأذونا له الاجتهاد . وروى موسى الجهني عن طلحة بن مطرف أنه كان إذا ذكر عنده الاختلاف فقال : لا تقولوا الاختلاف ولكن قولوا السعة . وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : ما أحب أن يكون لي باختلاف أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من حمر النعم : يعني أن اختلافهم أحب إليّ من حمر النعم لأنهم لو لم يختلفوا لكان لا يجوز لأحد بعدهم الاختلاف وإذا لم يجز الاختلاف لضاق الأمر على الناس . وروي عن القاسم بن محمد قال : اختلاف الصحابة كان رحمة للمسلمين . الباب السادس : في رواية الحديث بالمعنى ( قال الفقيه ) رحمه اللّه : اختلف الناس في رواية الحديث بالمعنى . قال بعضهم : لا يجوز إلا بلفظه ، وقال بعضهم : يجوز وهو الأصح . أما حجة الطائفة الأولى فما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « رحم اللّه امرأ سمع مني حديثا فبلغه كما سمع » وروى البراء بن عازب « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم علم رجلا دعاء وكان في آخر دعائه « آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت » فقال الرجل وبرسولك الذي أرسلت ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قل ونبيك الذي أرسلت فنهاه عن تغيير اللفظ » وأما حجة من قال إنه يجوز بالمعنى فلأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « ألا فليبلغ الشاهد الغائب » فقد أمرنا بالتبليغ عاما . وروي عن واثلة بن الأسقع وكان من الصحابة قال : إذا حدثناكم حديثا بالمعنى فحسبكم . وقال ابن عوف : كان إبراهيم النخعي والشعبي والحسن البصري يؤدون الحديث بالمعنى . وقال وكيع : لو لم يكن بالمعنى واسعا لهلك الناس وقال سفيان الثوري : إني لو قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدّقوني ، ولأن اللّه تعالى قال فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ بلفظ العربية ، ولو كان قومهم لا يفقهون بلفظ العربية فلا بدّ له من البيان والتفسير ، فثبت أن العبرة للمعنى لا للفظ .