نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
29
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
كانُوا يُفْسِدُونَ يعني بما كانوا يكفرون ويعصون اللّه تعالى ، فمن أراد أن ينجو من عذاب اللّه تعالى وينال ثوابه فعليه أن يصبر على شدائد الدنيا في طاعة اللّه تعالى ، ويجتنب المعاصي وشهوات الدنيا فإن الجنة قد حفت بالمكاره وحفت النار بالشهوات كما جاء في الخبر ، وأنشد : وفي الشيب ما ينهي الحليم عن الصبا * إذا استوقدت نيرانه في عذاره أرى امرأ يرجو العيش غبطة * إذا اصفرّ عود الزرع بعد اخضراره تجنب لخدن السوء واحذر وصاله * وإن لم تطق عنه محيصا فداره وجاور قرين الصدق واحذر مراءه * تنل منه صفو الودّ ما لم تماره وجاور إذا جاورت حرا أو امرأ * كريما كريم الجدّ تعلو بجاره فمن يصنع المعروف مع غير أهله * يجده وراء البحر أو في قراره وللّه في عرض السماوات جنة * ولكنها محفوفة بالمكاره وبإسناده قال : أنا محمد بن الفضل قال : أنا محمد بن جعفر قال : أنا إبراهيم بن يوسف قال : أنا إسماعيل بن جعفر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « دعا اللّه عز وجل جبريل فأرسله إلى الجنة فقال انظر إليها ، وما أعددت لأهلها فيها ، فرجع وقال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، فحفت بالمكاره ، فقال ارجع إليها وانظر إليها فرجع وقال وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد ، ثم أرسله إلى النار فقال انظر إليها وما أعددت لأهلها فيها فرجع إليه فقال : وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها ، فحفت بالشهوات ، فقال عد إليها فانظر إليها فرجع وقال : وعزتك وجلالك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها » وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « اذكروا من النار ما شئتم فلا تذكرون منها شيئا إلا وهي أشد منه » وقال : حدثنا أبي قال : أنا العباس بن الفضل المروزي قال : أنا موسى بن نصر عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران أنه قال : لما نزلت هذه الآية وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ وضع سلمان يده على رأسه وخرج هاربا ثلاثة أيام لا يقدر عليه حتى جيء به . وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : « جاء جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ساعة ما كان يأتيه فيها متغير اللون فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما لي أراك متغير اللون ؟ فقال يا محمد جئتك في الساعة التي أمر اللّه بمنافخ النار أن تنفخ فيها ولا ينبغي لمن يعلم أن جهنم حق ، وأن النار حق وأن عذاب القبر حق وأن عذاب اللّه أكبر أن تقر عينه حتى يأمنها ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : يا جبريل : صف لي جهنم ؟ قال نعم ، إن اللّه تعالى لما خلق جهنم أوقد عليها ألف سنة فاحمرت ، ثم أوقد عليها ألف سنة فابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة فاسودّت ، فهي سوداء مظلمة لا ينطفي لهبها ولا جمرها ، والذي بعثك بالحق لو أن مثل خرم إبرة فتح منها لاحترق أهل الدنيا عن آخرهم من حرها ، والذي بعثك بالحق لو أن ثوبا من أثواب أهل النار علق بين السماء والأرض لمات جميع أهل الأرض من نتنها وحرها