نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

279

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

حتى يصلح عمله ولا يضيع اجتهاده : أوّلها العلم ليكون علمه حجة ، والثاني التوكل حتى يكون له في العبادة فراغ ومن الخلق إياس ، والثالث الصبر ليتم به العمل ، والرابع الإخلاص لينال به الأجر . وقال الحسن البصري رحمه اللّه تعالى : ما طلب رجل هذا الخير يعني الجنة إلا اجتهد ونحل وذبل واستمرّ أي استقام حتى يلقى اللّه تعالى ألا ترى إلى قول اللّه إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا * وقال بعض الحكماء : علامة الذي استقام أن يكون مثله كمثل الجبل لأن الجبل له أربع علامات : أحدها أنه لا يذيبه الحرّ ، والثاني لا يجمده البرد ، والثالث لا تحركه الريح ، والرابع لا يذهبه السيل . فكذا المستقيم له أربع علامات : أحدها إذا أحسن إليه إنسان لا يحمله إحسانه على أن يميل إليه بغير حق ، والثاني إذا أساء إليه إنسان لا يحمله ذلك على أن يكون بغير حق ، والثالث أن هوى نفسه لا يحوّله عن أمر اللّه تعالى ، والرابع أن حطام الدنيا لا يشغله عن طاعة اللّه عزّ وجل . ويقال سبعة أشياء من كنوز البرّ وكل واحد من ذلك واجب بكتاب اللّه تعالى : أوّلها الإخلاص في العبادة لقول اللّه عزّ وجل وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ، والثاني برّ الوالدين لقوله عزّ وجل أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ، والثالث صلة الرحم لقوله عزّ وجل وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ ، والرابع أداء الأمانة لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها الآية ، والخامس أن لا يطيع أحدا في المعصية لقول اللّه عزّ وجل وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ، والسادس أن لا يعمل بهوى نفسه لقول اللّه عز وجل وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ، والسابع أن يجتهد في الطاعة ويخاف اللّه تعالى ويرجو ثوابه لقوله تعالى يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ، فالواجب على كل إنسان أن يكون خائفا باكيا فإن الأمر شديد . وروي في الخبر أن عيسى عليه الصلاة والسّلام مرّ بقرية وفي تلك القرية جبل وفي الجبل بكاء وانتحاب كثير ، فقال لأهل القرية ما هذا البكاء وهذا الانتحاب في هذا الجبل ؟ قالوا يا عيسى منذ سكنا هذه القرية نسمع هذا البكاء وهذا الانتحاب بهذا الجبل ، فقال عيسى عليه السّلام : يا رب ائذن لهذا الجبل أن يكلمني ؟ فأنطق اللّه الجبل فقال : يا عيسى ما أردت مني ؟ قال : أخبرني ببكائك وانتحابك ما هو ؟ قال يا عيسى أنا الجبل الذي كانت تنحت مني الأصنام التي يعبدونها من دون اللّه فأخاف أن يلقيني اللّه تعالى في نار جهنم فإني سمعت اللّه يقول فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ فأوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسّلام أن قل للجبل اسكن فإني قد أعذته من جهنم ، فالحجارة مع صلابتها وشدتها تخاف اللّه فكيف لا يكون المسكين الضعيف ابن آدم يخاف من النار ولا يتعوّذ باللّه منها ، يا بن آدم احذر منها وإنما الحذر منها باجتناب الذنوب فإن بالذنوب يستوجب العبد سخط اللّه تعالى وعذابه ولا طاقة لك بعذاب اللّه تعالى . وروي عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه قال « لما نزل قوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً دمعت عينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم