نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

267

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

خلق نفسه كما قال اللّه تعالى وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ فإذا تفكر العبد في الآيات والعلامات يزيد به يقينا ومعرفة ، وأما التفكر في الآلاء والنعماء فأن ينظر إلى نعم اللّه تعالى . وسئل بعض الحكماء عن الفرق بين الآلاء والنعماء فقال كل ما ظهر من النعم فهو الآلاء وما بطن فهو النعماء ، ومثل ذلك اليدان آلاؤه وقوّة اليدين نعماؤه والوجه آلاؤه وحسن الوجه والجمال نعماؤه والفم آلاؤه وطعم الطعام نعماؤه والرجلان آلاؤه والمشي نعماؤه ، فإذا كان للعبد رجلان ولم يكن له قوّة المشي فقد أعطي الآلاء ولم يعط النعماء والعروق والعظام آلاؤه وصحتها وسكونها نعماؤه . وقال بعضهم الآلاء إيصال النعمة والنعماء دفع البلية ، وقال بعضهم على ضدّ هذا ، ويقال الآلاء والنعماء واحد ، قال اللّه تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها فإذا تفكر الإنسان في الآلاء والنعماء يزيد في المحبة ، وأما التفكر في ثوابه فهو أن يتفكر في ثواب ما أعدّ اللّه لأوليائه في الجنة من الكرامات فإن التفكر في ثوابه يزيده رغبة فيها واجتهادا في طلبها وقوّة في طاعة ربه ، وأما التفكر في عقابه فهو أن يتفكر فيما أعدّ اللّه لأعدائه في النار من الهوان والعقوبة والنكال فإن التفكر في ذلك يزيده رهبة ويكون له قوة على الامتناع من المعاصي ، وأما التفكر في إحسانه إليه فهو أن يتفكر في إحسان اللّه تعالى وهو ما ستر عليه من ذنوبه ولم يعاقبه بها ودعاه إلى التوبة وينظر في جفاء نفسه كيف ترك أوامره وارتكب معاصيه فإن التفكر في ذلك يزيد الحياء والخجل ، فإذا تفكر في هذه الخمسة أشياء فهو من الذين قال فيهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « تفكر ساعة خير من عبادة سنة » ولا يتفكر فيما سوى ذلك فإن التفكر فيما سوى ذلك وسوسة . وقال بعض الحكماء : لا تتفكر في ثلاثة أشياء : لا تتفكر في الفقر فيكثر همك وغمك ويزيد في حرصك ، ولا تتفكر في ظلم من ظلمك فيغلظ قلبك ويكثر حقدك ويدوم غيظك ، ولا تتفكر في طول البقاء في الدنيا فنحب الجمع وتضيع العمر وتسوف في العمل . ويقال أصل الورع أن يتعاهد المرء قلبه لكي لا يتفكر فيما لا يعنيه ، فكلما ذهب قلبه إلى ما لا يعنيه عالجه حتى يرده إلى ما يعنيه وهو أشد الجهاد وأفضله وأشغله لصاحبه ، فمن لم يفعل ذلك في غير الصلاة يوشك أن لا يملك ذلك في الصلاة . وقال بعض الحكماء : تمام العبادة في صدق النية ، وتمام صلاح العمل في التواضع ، وتمام هذين بالزهد في الدنيا ، وتمام هذه كلها بالهمّ والحزن في أمر الآخرة ، وتمام الهمّ والحزن ملازمة ذكر الموت بقلبك وكثرة التفكر في ذنوبك ويقال : أخلاق الأبدال عشرة أشياء : سلامة الصدر ، وسخاوة المال ، وصدق اللسان ، وتواضع النفس ، والصبر في الشدة ، والبكاء في الخلوة ، والنصيحة للخلق ، والرحمة للمؤمنين ، والتفكر في الفناء ، والعبرة من الأشياء . وقال مكحول الشامي رحمه اللّه : من أوى إلى فراشه ينبغي أن يتفكر فيما صنع في يومه ذلك فإن كان عمل فيه خيرا يحمد اللّه تعالى على ذلك وإن عمل ذنبا استغفر اللّه منه ورجع عن قريب ، فإن لم يفعل كان كمثل التاجر الذي ينفق ولا يحسب حتى يفلس ولا يشعر . وقال بعض الحكماء : الحكمة تهيج من أربعة أشياء . أولها : بدن فارغ من أشغال الدنيا ، والثاني بطن خال من طعام الدنيا ، والثالث يد خالية من عروض الدنيا ، والرابع التفكر في عاقبة الدنيا : يعني يتفكر في عاقبة أمره فإنه لا يدري كيف تكون عاقبته ولا يدري أن أعماله تتقبل منه