نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
264
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
باب ما قيل كيف يصبح الرجل ( قال الفقيه ) أبو الليث السمرقندي رحمه اللّه حدثنا محمد بن الفضل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا أبو معاوية عن ليث عن مجاهد قال : قال لي عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما : يا مجاهد إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح ، وخذ من حياتك قبل مماتك ومن صحتك قبل سقمك فإنك لا تدري ما اسمك غدا . وقال بعض الحكماء : إذا أصبح الرجل ينبغي أن ينوي أربعة أشياء : أوّلها أداء ما فرض اللّه عليه ، والثاني اجتناب ما نهى اللّه عنه ، والثالث إنصاف من كان بينهم وبينه معاملة ، والرابع إصلاح ما بينه وبين خصمائه ، فإذا أصبح على هذه النيات أرجو أن يكون من الصالحين المفلحين . وقيل لبعض الحكماء : بأيّ نية يقوم الرجل عن فراشه ؟ قال لا يسأل عن القيام حتى ينظر كيف ينام ثم يسأل عن القيام فمن لم يعرف كيف ينام لا يعرف كيف يقوم ، ثم قال لا ينبغي للعبد أن ينام ما لم يصلح أربعة أشياء : أوّلها أن لا ينام وله على وجه الأرض خصم حتى يأتيه فيتحلل منه لأنه ربما يأتيه ملك الموت فيقدمه على ربه لا حجة له عنده . والثاني لا ينبغي أن ينام وقد بقي عليه فرض من فرائض اللّه تعالى . والثالث لا ينبغي أن ينام ما لم يتب من ذنوبه التي سلفت منه لأنه ربما يموت من ليلته وهو مصرّ على الذنوب . والرابع لا ينبغي أن ينام حتى يكتب وصية صحيحة لأنه ربما يموت من ليلته من غير وصية . ويقال الناس يصبحون على ثلاثة أصناف : صنف في طلب المال ، وصنف في طلب الإثم ، وصنف في طلب الطريق . فأما من أصبح في طلب المال فإنه لا يأكل فوق ما رزقه اللّه تعالى وإن كثر المال ، ومن أصبح في طلب الإثم لحقه الهوان ، ومن أصبح في طلب الطريق آتاه اللّه تعالى الرزق والطريق . وقال بعض الحكماء : من أصبح لزمه أمران : الأمن ، والخوف . فأما الأمن فهو أن يكون آمنا بما تكفل اللّه له من أمر رزقه . وأما الخوف فهو أن يكون خائفا فيما أمر به حتى يتمه ، فإذا فعل هذين أكرمه اللّه بشيئين : أحدهما القناعة بما يعطيه ، والثاني حلاوة طاعته . وروى سفيان الثوري عن أبيه عن سعيد بن مسروق رحمهم اللّه تعالى قال : كان الربيع بن خيثم إذا قيل له كيف أصبحت قال أصبحنا ضعفاء مذنبين نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا . وعن مالك بن دينار قيل له كيف أصبحت ؟ قال كيف يصبح من كان منقلبه من دار إلى دار ولا يدري إلى الجنة يصير أم إلى النار . وذكر أن عيسى ابن مريم عليهما السّلام قيل له كيف أصبحت يا روح اللّه ؟ قال أصبحت لا أملك ما أرجو ولا أستطيع دفع ما أخاف ، وأصبحت مرتهنا بعملي والخير كله في يد غيري ولا فقير أفقر مني . وقيل لعامر بن قيس كيف أصبحت ؟ قال أصبحت وقد أوقرت نفسي من ذنوبي وأقرني اللّه تعالى من نعمائه فلا أدري أعبادتي تكون تمحيصا لذنوبي أو شكرا لنعمة اللّه . وذكر عن محمد بن سيرين أنه قال لرجل كيف حالك ؟ فقال : كيف حال من عليه خمسمائة درهم دينا وهو معيل ، فدخل ابن سيرين