نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
263
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ، وبنهاره إذا الناس مفطرون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يتكلمون ، وبخشوعه إذا الناس يختالون ، وينبغي لحامل القرآن أن يكون محزونا حليما سكينا لينا ، ولا ينبغي أن يكون جافيا ولا غافلا ولا صياحا ولا حديدا . قال شقيق بن إبراهيم رحمه اللّه : ليس للعبد صاحب خيرا له من الهم والخوف : همّ فيما مضى من ذنوبه ، وخوف فيما بقي لا يدري ما ينزل به . وقال حكيم رحمه اللّه : من اهتمّ وحزن في غير ثلاثة فإنه لم يعرف الحزن ولا السرور : أحدها همّ الإيمان أنه يختم عمره به أم لا ، والثاني همّ أمر اللّه تعالى أنه يتم أم لا ، والثالث همّ الخصماء أنه ينجو منهم أم لا . وروى أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ما اغرورقت عين بمائها إلا حرّم اللّه على النار إحراقها فإن فاضت على وجه صاحبها لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة ، وما من عمل برّ إلا وله ثواب إلا الدمعة فإنها تطفئ بحورا من نار ولو أن عبدا بكى من خشية اللّه تعالى في أمة لرحم اللّه تلك الأمة ببكاء ذلك العبد » وروي عن كعب الأحبار رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : لأن أبكي من خشية اللّه تعالى حتى يسيل الدمع على وجنتي أحب إليّ من أن أتصدق بوزن نفسي ذهبا ، وما من باك يبكي من خشية اللّه تعالى حتى تسيل قطرة من دموعه على الأرض فتمسه النار حتى يرجع قطر السماء وليس براجع ، كما أن القطر إذا نزل من السماء لا يرجع إليها أبدا فكذلك الذي يبكي في الدنيا من خشية اللّه تعالى لا تمسه النار أبدا . وروي عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما من عبد يخرج من عينه من الدموع مثل الذباب أو رأس الذباب من خشية اللّه تعالى فيصيب حرّ وجهه فتمسه النار أبدا » وروي عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال : ما دمعت عين إلا بفضل اللّه وما دمعت عين امرئ حتى يمسح الملك قلبه . وروي عن الحسن البصري رحمه اللّه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ما من قطرة أحبّ إلى اللّه تعالى من قطرتين قطرة دمع في سواد الليل وقطرة دم في سبيل اللّه » وروى زياد النميري رحمه اللّه قال : قال اللّه تعالى في بعض الكتب : لا يبكي عبد من خشيتي إلا جرته من نقمتي ولا يبكي عبد من خشيتي إلا أبدلته ضحكا في نور قدسي يعني في الجنة وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه أنه كان يصلي ذات ليلة فقرأ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ وجعل يرددها ويبكي حتى أصبح . وروي عن تميم الداري رضي اللّه تعالى عنه أنه قرأ هذه الآية أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وجعل يرددها إلى الصباح ويبكي . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أنه قرأ هذه الآية إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وجعل يرددها إلى الصباح ويبكي » وروي في الخبر أن داود عليه الصلاة والسّلام ما شرب شرابا بعد الذنب إلا ونصفه ممزوج بدموع عينيه . وروي عن بهز بن حكيم قال : صلى بنا زرارة بن أبي أوفى فقرأ فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ - فحملناه ميتا - واللّه الموفق .