نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

209

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

تكرم لكم الآخرة ، ولا تهينوا الآخرة فتكرم عليكم الدنيا ، فإن الدنيا ليست بأهل كرامة هي تدعو كل يوم إلى الفتنة والخسارة ، ثم قال : إن كنتم جلسائي وأصحابي فوطنوا أنفسكم على العداوة والبغضاء للدنيا فإن لم تفعلوا فلستم بأصحابي ولا بإخواني . يا بني إسرائيل اتخذوا المساجد بيوتا والقبور دورا كونوا كأمثال الأضياف ، ألا ترون إلى طيور السماء لا يزرعون ولا يحصدون واللّه في السماء يرزقهم ، يا بني إسرائيل كلوا من خبز الشعير ومن بقول الأرض واعلموا أنكم لم تؤدوا شكر ذلك فكيف ما فوق ذلك . وروي أن سعيد بن جبير قال : أوّل من يدخل الجنة من يحمد اللّه في السراء والضراء . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه تعالى : اعلم أن الحمد والشكر عبادة الأولين والآخرين وعبادة الملائكة وعبادة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وعبادة أهل الأرض وعبادة أهل الجنة ، فأما عبادة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فهو أن آدم عليه السّلام لما عطس قال الحمد للّه . وأن نوحا عليه الصلاة والسّلام لما أغرق اللّه قومه وأنجاه ومن معه من المؤمنين أمره اللّه تعالى بأن يحمده فقال له فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وقال إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسّلام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ وقال داود وسليمان عليهما الصلاة والسّلام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وإن أهل الجنة يحمدون اللّه تعالى في ستة مواضع : أحدها عند قوله تعالى وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ فإذا امتازوا يقولون الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، والثاني حين جاوزوا الصراط قالوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ، والثالث لما اغتسلوا بماء الحياة نظروا إلى الجنة فقالوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ ، والرابع حين دخلوها قالوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ، والخامس حين استقروا في منازلهم قالوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ الآية ، والسادس حين فرغوا من الطعام قالوا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . * وقال بعض الحكماء : اشتغلت بشكر ثلاثة أشياء : أوّلها أن اللّه تعالى خلق ألف صنف من الخلق ورأيت بني آدم أكرم الخلق فجعلني من الرجال ، والثاني رأيت الإسلام أفضل الأديان وأحبها إلى اللّه تعالى فجعلني مسلما ، والثالث رأيت أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الأمم فجعلني من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وروي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إن اللّه تعالى خلق الخلق حين خلقهم وهم أربعة أصناف : الملائكة والجن والإنس والشياطين ، وجعلهم عشرة أجزاء تسعة منهم الملائكة ، وجزء واحد الجن والإنس والشياطين » ويقال : الخلق عشرة أجزاء تسعة منها الشياطين والجن ، وواحد منها الإنس ثم جعل الإنس مائة وخمسة وعشرين صنفا ، فالمائة منها يأجوج