نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
125
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
القيامة يودّ أن يكون جميع أقاربه وجميع أولاده ماتوا قبله لينال الأجر وثواب المصيبة ، وقد وعد اللّه تعالى في المصيبة ثوابا عظيما إذا صبر واحتسب ، وهو قول اللّه تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ يعني لنختبرنكم ، والاختبار من اللّه تعالى إظهار ما يعلم به الغيب بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ يعني مخافة قتال العدوّ وَالْجُوعِ يعني المجاعة وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ يعني ذهاب أموالهم وَالْأَنْفُسِ يعني الأوجاع والأمراض من القتل أو الموت وَالثَّمَراتِ يعني لا تخرج الثمرات كما كانت تخرج وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ على الرزيات والمصائب ، ثم نعتهم فقال الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إنا لله يعني نحن عبيد اللّه وفي ملكه وفي قبضته إن عشنا فعليه أرزاقنا وإن متنا فإليه مآبنا ومردّنا وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ يعني بعد الموت ، فالواجب علينا أن نرضى بحكمه فإن لم نرض بحكمه فلا يرضى عنا إذا رجعنا إليه أُولئِكَ يعني أهل هذه الصفة عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ والصلوات جمع الصلاة . والصلاة من اللّه تعالى على ثلاثة أوجه : توفيق الطاعة ، والعصمة من الذنوب ، والمغفرة ، فهذا تفسير الصلاة الواحدة ، وأما الصلوات فلا يعرف منتهاها إلا اللّه تعالى ، ثم قال وَرَحْمَةٌ يعني ورحمة من اللّه تعالى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ إلى الاسترجاع : يعني وفقهم اللّه لذلك . وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : لم يكن الاسترجاع إلا لهذه الأمة ، ولو أعطي لأحد لأعطي يعقوب ، ألا ترى أنه قال يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ . وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : نعم العدلان ونعم العلاوة أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ فهذان العدلان وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ فهذه العلاوة . وروى « أنه لما مات إبراهيم ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وذرفت عيناه فقال له عبد الرحمن يا رسول اللّه تبكي أو لم تنه عن البكاء ؟ قال لا ، ولكن نهيت عن النوح والغناء وعن صوتين أحمقين فاجرين ، وعن خمش الوجوه وشق الجيوب ورنة الشيطان ، وعن صوت الغناء فإنه لعب ولهو ومزامير الشيطان ، ولكن هذه رحمة جعلها اللّه تعالى في قلوب الرحماء ، ومن لا يرحم لا يرحم ، ثم قال : القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب تعالى وتقدّس » . وروي عن الحسن البصري أنه قال : إن اللّه تعالى رفع عنكم الخطأ والنسيان وما أكرهتم عليه وما لا تطيقون وأحل لكم في حال الضرورة أشياء مما حرم عليكم ؛ وأعطاكم خمسا : أعطاكم الدنيا فضلا وسألكموها قرضا فما أعطيتموه منها طيبة بها نفسكم جعل لكم التضعيف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما لا يحصيه غيره . والثاني أخذ منكم كرها فاحتسبتم وصبرتم ثم جعل لكم به الصلاة والرحمة لقوله تعالى أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ، والثالث لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ، والرابع لو أساء مسيئكم حتى تبلغ ذنوبه الكفر ثم تاب فإنه يتوب عليه ويحبه حيث قال إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ، والخامس لو أعطي جبريل وميكائيل ما أعطاكم لكان قد أجزل لهما فقال ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ .