نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

120

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

معاصيك تزوي عنه الدنيا وتعرّض له البلاء ، ويكون العبد الكافر لا يطيعك ويجترىء على معاصيك تزوي عنه البلاء وتبسط له الدنيا ؟ فأوحى اللّه تعالى إليه إن العباد لي والبلاء لي وكل يسبح بحمدي ، فيكون المؤمن عليه من الذنوب فأزوي عنه الدنيا وأعرض له البلاء فيكون كفارة لذنوبه حتى يلقاني فأجزيه بحسناته ، ويكون الكافر له السيئات فأبسط له في الرزق فأزوي عنه البلاء حتى يلقاني فأجزيه بسيئاته » . قال : حدثنا أبو أحمد عبد الوهاب بن محمد الفلاني بسمرقند بإسناده عن حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا أراد اللّه بعبد خيرا أو أراد أن يصافيه صبّ عليه البلاء صبا وثجه عليه ثجا وإذا دعاه قالت الملائكة يا رب صوت معروف ، فإذا دعاه الثانية فقال يا رب قال اللّه تعالى : لبيك وسعديك لا تسألني شيئا إلا أعطيتك أو دفعت عنك ما هو شر وادّخرت عندي لك ما هو أفضل منه ، فإذا كان يوم القيامة جيء بأهل الأعمال فوفوا أعمالهم بالميزان أهل الصلاة والصيام والصدقة والحج ، ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم الميزان ولا ينشر لهم الديوان ويصب عليهم الأجر صبا كما يصب عليهم البلاء ، فيودّ أهل العافية في الدنيا لو أنهم كانت تقرض أجسادهم بالمقاريض لما يرون مما يذهب به أهل البلاء من الثواب فذلك قوله تعالى إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ . ذكر في الخبر أن مؤمنا وكافرا في الزمن الأوّل انطلقا يصيدان السمك فأخذ الكافر يذكر آلهته ، فما رفع شبكته حتى أخذ سمكا كثيرا ، وجعل المؤمن يذكر اللّه فلا يجيء شيء ثم أصاب سمكة عند الغروب واضطربت فوقعت في الماء ، فرجع المؤمن وليس معه شيء ورجع الكافر وقد امتلأت شبكته ، فأسف ملك المؤمن الموكل به ، فلما صعد إلى السماء أراه اللّه مسكن المؤمن في الجنة فقال : واللّه ما يضره ما أصابه بعد أن يصير إلى هذا ، وأراه مسكن الكافر في النار فقال : واللّه ما يغني عنه ما أصاب من الدنيا بعد أن يصير إلى هذا ، ويقال إن اللّه تعالى يحتج يوم القيامة بأربعة على أربعة أجناس : يحتج على الأغنياء بسليمان بن داود عليهما السّلام فإذا قال الغنيّ الغنى شغلني عن عبادتك يحتج عليه بسليمان ويقول له لم تكن أغنى من سليمان فلم يمنعه غناه عن عبادتي ، ويحتج على العبيد بيوسف عليه الصلاة والسّلام فيقول العبد كنت عبدا والرق منعني عن عبادتك فيقول له إن يوسف عليه السّلام لم يمنعه رقه عن عبادتي ، وعلى الفقراء بعيسى عليه الصلاة والسّلام فيقول الفقير إن حاجتي منعتني عن عبادتك فيقول أنت كنت أحوج أم عيسى وعيسى لم يمنعه فقره عن عبادتي ، وعلى المرضى بأيوب عليه الصلاة والسّلام فيقول المريض منعني المرض عن عبادتك فيقول مرضك كان أشد أم مرض أيوب عليه السّلام فلم يمنعه مرضه عن عبادتي ، فلا يكون لأحد عند اللّه عذر يوم القيامة ، وكان الصالحون رحمهم اللّه تعالى يفرحون بالمرض والشدة لأجل أن فيه كفارة للذنوب . وذكر عن أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : الناس يكرهون الفقر وأنا أحبه ، ويكرهون الموت وأنا أحبه ، ويكرهون السقم وأنا أحب السقم تكفيرا لخطاياي ، وأحب الفقر تواضعا لربي ، وأحب الموت اشتياقا إلى ربي .