نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

116

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

لابنه : يا بنيّ إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيها كثير من الناس فاجعل سفينتك فيها تقوى اللّه تعالى ، قال بعضهم : إن للّه عبادا فطنا * طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا * أنها ليست لحيّ وطنا جعلوها لجة واتخذوا * صالح الأعمال فيها سفنا ففي هذه الأعمال الصالحة بضاعتك التي تحمل فيها والحرص عليها ربحك ، والأيام موجها والتوكل ظلها وكتاب اللّه دليلها ، وردّ النفس عن الهوى حبالها والموت ساحلها والقيامة أرض المتجر التي تخرج إليها واللّه مالكها . وروي عن الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى أنه قال : بلغنا أنه يجاء بالدنيا يوم القيامة تتبختر في زينتها وبهجتها فتقول يا رب اجعلني لأحسن عبادك دارا ، فيقول اللّه عز وجل لا أرضاك دارا لهم أنت لا شيء كوني هباء منثورا فتصير هباء منثورا . وذكر عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال : يؤتى بالدنيا يوم القيامة على صورة عجوز شمطاء زرقاء بادية أنيابها مشوه خلقها لا يراها أحد إلا كرهها فتشرف على الخلائق فيقال لهم : أتعرفون هذه ؟ فيقولون نعوذ باللّه من معرفتها ، فيقال هذه الدنيا التي تفاخرتم بها وتقاتلتم عليها . وروي في خبر آخر : أنه يؤمر بها فتلقى في النار فتقول يا رب أين أتباعي وأصحابي : فيلحقون بها . ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : لا يكون لها عذاب لأنه لا ذنب لها ولكنها تلقى في النار لكي يراها أهلها فيرون هوانها ، كما أن الأوثان جعلت في النار وهو قوله تعالى إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ولا يكون للأوثان عقوبة ولكن لزيادة العقوبة والحسرة لأهلها ، وكذلك الدنيا جعلت في النار لزيادة العقوبة والحسرة لأهلها لتكون لهم زيادة الحسرة ، فينبغي للمؤمن أن يعمل للآخرة ولا يشتغل بالدنيا إلا مقدار ما لا بدّ له منها من غير أن يتعلق قلبه بها . وروي عن عيسى ابن مريم صلوات اللّه وسلامه عليه أنه قال : عجبا لكم تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها بغير عمل . وروى أبو عبيدة الأسدي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من أشرب قلبه حب الدنيا التاط قلبه منها بثلاث : شغل لا ينفك عناؤه ، وأمل لا يبلغ منتهاه ، وحرص لا يدرك عناه ، والدنيا طالبة ومطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة حتى يأتيه الموت فيأخذه بغتة » وروى إبراهيم بن يوسف عن كنانة قال : بلغني عن أبي حازم أنه قال : وجدت الدنيا شيئين : شيئا منها هو لي لا يفوتني وشيئا منها لغيري فلا أدركه ، منع الذي لي من غيري كما منع الذي لغيري مني ، ففي أيّ هذين أفني عمري ، ووجدت ما أعطيت من الدنيا شيئين : شيئا منها يأتي أجله قبل أجلي فأغلب عليه وشيئا منها يأتي أجلي قبل أجله فأموت وأتركه لغيري ، ففي أيّ هذين أعصي ربي . وروي عن الأعمش عن سفيان بإسناده عن أشياخه قال « دخل سعد بن أبي وقاص على سلمان رضي