نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

11

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

عن الربيع بن سعيد عن محمد بن سابط عن سعيد بن ضابط عن جابر عن عبد اللّه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإنهم قوم قد كان فيهم الأعاجيب ، ثم أنشأ يحدث فقال : خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة فقالوا لو صلينا ثم دعونا ربنا حتى يخرج لنا بعض الموتى فيخبرنا عن الموت ، فصلوا ودعوا ربهم ، فبينما هم كذلك إذا رجل قد أطلع رأسه من قبر أسود خلاسيا فقال : يا هؤلاء ما تريدون فو اللّه لقد مت منذ تسعين سنة فما ذهبت مرارة الموت مني حتى كأنه الآن فادعوا اللّه تعالى أن يعيدني كما كنت وكان بين عينيه أثر السجود » قال : حدثنا محمد بن فضل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا النضر بن الحارث عن الحسن عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « قدر شدة الموت وكربه على المؤمن كقدر ثلاثمائة ضربة بالسيف » . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه : من أيقن بالموت وعلم أنه نازل به لا محالة فلا بدّ له من الاستعداد له بالأعمال الصالحة وبالاجتناب عن الأعمال الخبيثة فإنه لا يدري متى ينزل به ، وقد بين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شدّة الموت ومرارته نصيحة منه لأمته لكي يستعدوا له ويصبروا على شدائد الدنيا ، لأن الصبر على شدائد الدنيا أيسر من شدة الموت لأن شدة الموت من عذاب الآخرة وعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا . وروي عن عبد اللّه بن مسور الهاشمي قال : « جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : جئتك لتعلمني من غرائب العلم قال ما صنعت في رأس العلم ؟ قال وما رأس العلم ؟ قال هل عرفت الرب عز وجل ؟ قال نعم ، قال فما ذا فعلت في حقه ؟ قال ما شاء اللّه . قال وهل عرفت الموت ؟ قال نعم : قال فما ذا أعددت له ؟ قال ما شاء اللّه . قال اذهب فاحكم بما هناك ثم تعال حتى أعلمك من غرائب العلم ، فلما جاءه بعد سنين قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ضع يدك على قلبك فما لا ترضى لنفسك لا ترضاه لأخيك المسلم وما رضيته لنفسك فارضه لأخيك المسلم » وهو من غرائب العلم فبين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن الاستعداد للموت من رأس العلم فالأولى أن يشتغل به . وروي عن عبد اللّه بن مسور الهاشمي قال : « قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ثم قال : إذا دخل نور الإسلام القلب انفسح وانشرح ، فقيل هل لذلك من علامة ؟ قال : نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله » . وروى جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لرجل وهو يعظه « اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وغناك قبل فقرك ، وحياتك قبل موتك » فقد جمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الخمس علما كثيرا لأن الرجل يقدر على الأعمال في حال شبابه ما لا يقدر عليه في حال هرمه ، ولأن الشاب إذا تعوّد على المعصية لا يقدر على الامتناع منها في حال هرمه فينبغي للشاب أن يتعود في حال شبابه أعمال الخير لتسهل عليه في حال هرمه . وقوله : صحتك قبل سقمك لأن الصحيح نافذ الأمر في ماله ونفسه فينبغي للصحيح أن يغتنم