نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

12

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

صحته ويجتهد في الأعمال الصالحة في ماله وبدنه لأنه إذا مرض ضعف بدنه عن الطاعة وقصرت يده عن ماله إلا في مقدار ثلثه ، وفراغك قبل شغلك : يعني في الليل يكون فارغا وبالنهار مشغولا فينبغي أن يصلي بالليل في حال فراغه ويصوم بالنهار في وقت شغله سيما في أيام الشتاء ، كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الشتاء غنيمة المؤمن طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه » وفي رواية أخرى « الليل طويل فلا تقصره بمنامك والنهار مضيء فلا تكدره بآثامك » . وقوله : وغناك قبل فقرك : يعني إذا كنت راضيا بما آتاك اللّه من القوت فاغتنم ذلك ولا تطمع فيما في أيدي الناس . وقوله : وحياتك قبل موتك لأن الرجل ما دام حيا يقدر على العمل فإذا مات انقطع عمله ، فينبغي للمؤمن أن لا يضيع أيامه الفانية ويغتنم أيامه الباقية . قال الحكيم بالفارسية : بكودكي بازى بجواني مستى بپيرى سستى خدا را كي پرستى يعني : إذا كنت صبيا تلعب مع الصبيان ، وإذا كنت شابا غفلت باللهو ، وإذا كنت شيخا صرت ضعيفا . فمتى تعمل للّه تعالى : يعني لا تقدر أن تعبد اللّه تعالى بعد موتك وإنما تقدر على الاجتهاد في حال حياتك وتستعد لقدوم ملك الموت وتذكره في كل وقت فإنه ليس بغافل عنك . وروي عن علي رضي اللّه عنه : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال أبشر يا محمد فإني بكل مؤمن رفيق ، واللّه يا محمد إني لأقبض روح ابن آدم فإذا صرخ صارخ من أهله قلت ما هذا الصراخ فو اللّه ما ظلمناه ولا سبقنا أجله ولا استعجلنا قدره فما لنا في قبضه من ذنب فإن ترضوا بما صنع اللّه تؤجروا وإن تسخطوا أو تجزعوا تأثموا وتؤزروا وما لكم عندنا من عتبة وإن لنا عليكم لقية وعودة فالحذر الحذر ، وما من أهل بيت شعر أو مدر في برّ أو بحر إلا وأنا أتصفح وجوههم في كل يوم وليلة خمس مرات حتى اني لأعرف صغيرهم وكبيرهم وأعرف منهم بأنفسهم ، واللّه يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون اللّه تعالى هو الآمر بقبضها » . وروى أبو سعيد الخدري : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأى أناسا يضحكون قال أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى ، ثم قال : أكثروا ذكر هاذم اللذات » يعني الموت ثم قال : « إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران » وقال عمر رضي اللّه عنه لكعب : يا كعب حدثنا عن الموت قال : إن الموت كشجرة شوك أدخلت في جوف ابن آدم فأخذت كل شوكة بعرق منه ثم جذبها رجل شديد القوى فقطع منها ما قطع وأبقى منها ما أبقى . وذكر عن سفيان الثوري أنه كان إذا ذكر عنده الموت كان لا ينتفع به أياما فإذا سئل عن شيء قال : لا أدري لا أدري . وقال الحكيم : ثلاثة ليس للعاقل أن ينساهن : فناء الدنيا وتصرم أحوالها ، والموت ، والآفات التي لا أمان له منها .