نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

109

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

بحب المساكين والدنوّ منهم ، وأن أنظر إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من هو فوقي ، وأن أصل رحمي وإن أدبرت وقطعت ، وأن أستكثر من قول لا حول ولا قوّة إلا باللّه فإنها من كنوز البر ، وأن لا أسأل الناس شيئا ، وأن لا أخاف في اللّه لومة لائم ، وأن أقول الحق وإن كان مرّا ، وكان أبو ذر رضي اللّه تعالى عنه إذا سقط من يده سوطه يكره أن يقول لأحد ناولنيه » وبهذا الإسناد قال : حدثنا إبراهيم حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة قال : تقول الملائكة يا رب عبدك الكافر بسطت له الدنيا وتزوي عنه البلاء فيقول للملائكة اكشفوا عن عقابه ، فإذا رأوه قالوا يا رب لا ينفعه ما أصاب من الدنيا ، وتقول يا رب عبدك المؤمن تزوي عنه الدنيا وتعرضه للبلاء ، فيقول اكشفوا عن ثوابه فإذا رأوه قالوا يا رب ما يضره ما أصابه من الدنيا » قال حدثنا محمد بن الفضل بإسناده عن أبي ذر الغفاري أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « المكثرون هم الأقلون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا أربع مرات وقليل ما هم » . ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : معنى قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « المكثرون هم الأقلون » يعني إذا كان الغنيّ من أهل الجنة فهو أقل درجة من الفقير وإن كان من أهل النار فهو في الدرك الأسفل من النار إلا من قال بالمال هكذا وهكذا : يعني يتصدق عن يمينه ويساره ومن خلفه ومن بين يديه « وقليل ما هم » يعني قلما يوجد مثل هذا في الأغنياء لأن الشيطان يزين لهم أموالهم في الدنيا . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن الشيطان يقول لن ينجو الغني من إحدى ثلاث : إما أن أزينه في عينه فيمنعه من حقه ، وإما أن أسهل عليه سبيله فينفقه في غير حقه ، وإما أن أحببه في قلبه فيكسبه بغير حقه » وروي عن أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : « بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا تاجر فأردت أن تجتمع لي التجارة مع العبادة فلم تجتمعا ، فرفضت التجارة وأقبلت على العبادة ، فوالذي نفسي بيده ما أحب أن لي حانوتا على باب المسجد لا تخطئني فيه صلاة فأربح كل يوم أربعين دينارا فأتصدق بها في سبيل اللّه ، قيل يا أبا الدرداء لم تكره ذلك ؟ قال لسوء الحساب » . وروي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « اللهم من أحبني فارزقه العفاف والكفاف ، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده » وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الفقر مشقة في الدنيا مسرة في الآخرة والغنى مسرة في الدنيا مشقة في الآخرة » وروى أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « إن لكل أحد حرفة وحرفتي اثنتان الفقر والجهاد فمن أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني » . ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : ينبغي للمسلم أن يحب الفقر ويحب الفقراء وإن كان غنيا لأن في حب الفقراء حب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقد أمر اللّه تعالى رسوله بحب الفقراء والدنوّ منهم وهو قوله تعالى وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ الآية : يعني احبس نفسك مع الفقراء الذين حبسوا أنفسهم للعبادة ، وكان سبب نزول هذه الآية أن عيينة بن حصن الفزاري وكان رئيس قومه فدخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعنده سلمان الفارسي وصهيب بن سنان الرومي وبلال بن حمامة الحبشي وغيرهم من ضعفاء الصحابة رضي اللّه عنهم وعليهم ثياب خلقة قد عرقوا