نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

104

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

( قال بعض الحكماء ) إن جسد ابن آدم ثلاثة أجزاء : فجزء منها قلبه ، والثاني لسانه ، والثالث الجوارح ، وقد أكرم اللّه تعالى كل جزء بكرامة : فأكرم القلب بمعرفته وتوحيده : وأكرم اللسان بشهادة أن لا إله إلا اللّه وتلاوة كتابه ، وأكرم الجوارح بالصلاة والصوم وسائر الطاعات ، ووكل على كل جزء رقيبا وحفيظا : فتولى حفظ القلب بنفسه فلا يعلم ما في ضمير العبد إلا اللّه ، ووكل على لسانه الحفظة قال اللّه تعالى ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وسلط على الجوارح الأمر والنهي ، ثم إنه يريد من كل جزء وفاء : فوفاء القلب أن يثبت على الإيمان وأن لا يحسد ولا يخون ولا يمكر ، ووفاء اللسان أن لا يغتاب ولا يكذب ولا يتكلم بما لا يعنيه ، ووفاء الجوارح أن لا يعصي اللّه تعالى ولا يؤذي أحدا من المسلمين ، فمن وقع من القلب فهو منافق ، ومن وقع من اللسان فهو كافر ، ومن وقع من الجوارح فهو عاص . وعن الحسن قال : نظر عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه إلى شاب فقال يا شاب : إن وقيت شر ثلاث فقد وقيت شر الشباب : إن وقيت شر لقلقك يعني لسانك ، وذبذبك يعني فرجك ، وقبقبك يعني بطنك . وذكر أن لقمان الحكيم كان عبدا حبشيا فأول ما ظهر من حكمته أنه قال له مولاه : يا غلام اذبح لنا هذه الشاة وائتني بأطيب مضغتين منها ، فجاء بالقلب واللسان ، ثم قال مرة أخرى : اذبح لنا هذه الشاة وائت بأخبث مضغتين منها ، فأتاه باللسان والقلب ، فسأله عن ذلك فقال ليس في الجسد مضغتان أطيب منهما إذا طابا ، ولا أخبث منهما إذا خبثا . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لما بعث معاذا إلى اليمن فقال يا نبي اللّه أوصني ؟ فأشار إلى لسانه يعني عليك بحفظ اللسان ، فكأنه تهاون به ، فقال يا نبي اللّه أوصني ؟ قال ثكلتك أمك ، وهل يكب الناس في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم » وقال الحسن البصري رحمه اللّه تعالى : من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر ماله كثر إثمه ، ومن ساء خلقه عذب نفسه . وروي عن سفيان الثوري أنه قال : لأن أرمي رجلا بسهم أحب إليّ أن أرميه بلساني لأن رمي اللسان لا يخطئ ورمي السهم قد يخطئ . وروي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : إذا أصبح ابن آدم سألت الأعضاء كلها اللسان وقلن يا لسان ننشدك اللّه أن تستقيم فإنه إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا . وروي عن أبي ذر الغفاري رضي اللّه تعالى عنه أنه قام عند الكعبة فقال : ألا من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة الغفاري « أبو ذر » هلموا إلى أخ ناصح شفيق عليكم فاجتمع الناس حوله فقال يا أيها الناس : من أراد منكم سفرا من أسفار الدنيا لا يفعل ذلك إلا بزاد فكيف من يريد سفر الآخرة بلا زاد ؟ ، قالوا وما زادنا يا أبا ذر ؟ قال صلاة ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور ، وصوم في حرّ شديد ليوم النشور ، وصدقة على المساكين لعلكم تنجون من عذاب يوم عسير ، وحج لعظائم الأمور ، واجعلوا الدنيا مجلسين مجلسا في طلب الدنيا ومجلسا في طلب الآخرة ، والثالث يضر ولا ينفع ، واجعلوا الكلام كلمتين : كلمة نافعة في أمر دنياكم وكلمة باقية في أمر آخرتكم ، والثالثة يضر ولا تنفع ، واجعلوا المال درهمين : درهما أنفقه على عيالك ودرهما قدمه لنفسك ، والثالث يضر ولا ينفع ، ثم قال أوّه قتلني هم