القاضي التنوخي

64

الفرج بعد الشدة

فأمر فوقّع على ظهرها : قد صحّ عندنا أنّك رجل تصرف ما نجريه عليك فيما يكره اللّه عزّ وجلّ ، من فساد نفسك ، وما نرى أن نعينك على ذلك ، فالحق بحيث شئت ، فلا خير لك عندنا بعدها . قال : فخرج التوقيع إلى الرجل ، فغمّه ذلك ، وعمل محضرا أدخل فيه خطّ خلق كثير ممن يعرفه ، أنّه مستور ، وما قرف قط ببغاء . وكتب رقعة إلى كافور ، يحلف فيها بالطلاق والعتاق والأيمان الغليظة ، أنّه ليس ببغّاء ، واحتجّ بالمحضر ، وجعل الرقعة طيّ المحضر . وقال فيها : إنّه لم يكن يدفع إليه ما يدفع لأجل حفظه فرجه أو هتكه ، وإنّما كان ذلك لأنّه منقطع ، وغريب ، وهارب ، ومفارق نعمة ، وإنّ اللّه عزّ وجلّ أقدر على قطع أرزاق مرتكبي المعاصي ، وما فعل ذلك بهم - بل رزقهم - وأمهلهم ، وأمرهم بالتوبة ، وإنّه إن كان ما قذف به صحيحا ، فهو تائب إلى اللّه عزّ وجلّ منه ، وسأله ردّ رسمه إليه ، ورفع القصّة إلى كافور . قال : فما أدري إلى أيّ شيء انتهى أمره ، إلّا أنّه صار فضيحة [ 281 غ ] وتحدّث الناس بحديثه . واتّفق خروجي من مصر ، عقيب ذلك ، إلى حضرة سيف الدولة ، فلقيته بحلب ، وجرت أحاديث المصريّين ، وكان يتشوّق أن يسمع حديث صغيرهم وكبيرهم ، ويعجبه أن يذكر له .

--> الذي يرفعه صاحب الربع لحاكم البلد ( القصّة 3 / 68 من نشوار المحاضرة ) ، وكان المتظلّم الذي يخشى أن لا تصل قصّته إلى الحاكم ، يرفع قصّته على قصبة ، ويقف في الطريق الذي يمرّ به الحاكم ، فإذا مرّ ، رفعها ، وحرّكها أمامه ، فيراها ، ويأمر بأخذها ( القصّة 7 / 151 من كتاب نشوار المحاضرة للقاضي التنوخي ) أما القصّة بمعنى الحكاية ، فمعروفة ، والذي يروي القصّة ، يسمّى ( القاصّ ) ويسمّيه البغداديّون : قصّه خون ، محرّفة عن : خوان ، فارسيّة ، بمعنى : قارئ ، أو راوي ، وكان هذا الاسم يطلق على القاصّ الذي يستأجره صاحب المقهى ، فيتصدّر المجلس ويقرأ على المجتمعين قصّة عنتر ابن شدّاد ، وقصّة أبي زيد الهلالي ، وقد انقرض هذا النوع من القصّاص في بغداد منذ زمن .