القاضي التنوخي
396
الفرج بعد الشدة
فقال : أنا رجل من أهل المدينة ، خرجت يوما متنزّها في ظاهرها ، وقد سال العقيق « 5 » ، في فتية وأقران ، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا نحن له ، فجلسن قريبا منّا . ونظرت بينهنّ إلى فتاة كأنّها قضيب بان قد طلّه الندى ، تنظر بعينين ، ما ارتدّ طرفهما إلّا بنفس من يلاحظهما ، [ فأطلنا وأطلن ] « 6 » ، حتى تفرّق الناس . وانصرفنا ، وقد أبقت بقلبي جرحا بطيئا اندماله ، فسرت إلى منزلي وأنا وقيذ « 7 » . وخرجت من غد إلى العقيق ، وليس فيه أحد ، فلم أر لها أثرا ، ثم جعلت أتتّبعها في طرق المدينة وأسواقها ، فكأنّ الأرض ابتلعتها ، وسقمت ، حتى يئس منّي أهلي . فأعلمت زوجة أبي بذلك ، فقالت : لا بأس عليك ، هذه أيّام الربيع قد أقبلت ، وهي سنة خصب ، والساعة يأتي المطر ، فتخرج وأخرج معك ، فإنّ النسوة سيجئن ، فإذا رأيتها أتّبعتها ، حتى أعرف موضعها ، ثم أصل بينكما ، وأسعى لك في تزويجها . قال : فكأنّ نفسي اطمأنّت ، ورجعت ، وجاء المطر ، وسال العقيق ، وخرجت
--> ( 5 ) العقيق : كلّ مسيل ماء شقّه السيل في الأرض ، فأنهره ، ووسّعه ، فهو عقيق ، وفي بلاد العرب أربعة أعقّة ، أشهرها العقيق بالمدينة ، وأكثر ما يجيء ذكره في الشعر ، فإيّاه يعنون ، وعقيق المدينة على ثلاثة أميال منها ، ممّا يلي الحرّة إلى منتهى البقيع ، وعليه دور ، وقصور ، ومنازل ، وقرى ، فإذا كان وقت الربيع ، وأمطرت السماء سال العقيق ، فكان منتجع أهل الظرف والأدب والشعر راجع معجم البلدان 2 / 699 - 703 ، أقول : وقد حرصت على أن أراه لمّا حججت في السنة 1964 ، وزرت قبر النبي صلوات اللّه عليه ، فاستأجرت سيارة وخرجت أسأل الناس عن العقيق ، فلم أوفق إلى من يعرفه ، أو يدلّني عليه . ( 6 ) الزيادة من الأغاني . ( 7 ) الوقيذ : الصريع ، أو المشرف على الموت من شدّة الضرب .