القاضي التنوخي

282

الفرج بعد الشدة

ظبيتان ، فرقيت في درجة لها إلى مستشرف ، فقعدت فيه . قال : فأصعدت لي ما أحتاج إليه من الطعام ، والشراب ، والفرش ، والماء ، والوضوء . فأقمت كذلك عندها أكثر من حول ، تقوم بكلّ ما يصلحني ، وتغدو عليّ في كلّ صباح ، فتسألني عن حوائجي ، فما سألتني من أنا ، ولا أنا سألتها من هي ؟ وأنا في أثناء ذلك أسمع الصياح فيّ ، والجعل « 5 » . فلمّا طال بي المقام ، وفقدت الصياح والجعل ، وغرضت « 6 » بمكاني ، جاءت إليّ في الصباح تسألني الحاجة ، فأعلمتها أني قد غرضت بموضعي ، وأحببت الشخوص إلى أهلي . فقالت لي : يأتيك ما تحتاج إليه إن شاء اللّه تعالى . قال : فلمّا أمسيت ، وضرب الليل برواقه ، رقت إليّ ، وقالت : إن شئت فنزلت ، وقد أعدّت راحلتين ، عليهما جميع ما أحتاج إليه ، ومعهما عبد ، وأعطت العبد نفقة الطريق ، وقالت : العبد والراحلتان لك . فركبت ، وركب معي العبد ، حتى أتيت مكّة ، فدققت باب منزلي ، فقالوا : من أنت يا هذا ؟ فقلت : عبيد اللّه بن قيس الرقيّات ، فولولوا ، وبكوا ، وقالوا : لم يرتفع طلبك إلّا في هذا الوقت . فتوقّفت عندهم حتى أسحرت ، ونهضت ، فقدمت المدينة ، ومعي العبد ، فجئت إلى عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب « 7 » رضي اللّه عنهم ، وهو يعشّي

--> ( 5 ) الجعل ، بضم الجيم وسكون الغين : العطية أو المنحة . ( 6 ) غرض ، بكسر الراء : ضجر وملّ . ( 7 ) عبد اللّه بن جعفر الطيّار بن أبي طالب ( 1 - 80 ) : صحابيّ ، ولد بأرض الحبشة ، لمّا هاجر أبواه إليها ، وهو أوّل مولود ولد بها من المسلمين ، وكان كريما ، يقال له : بحر الجود ، وكان أحد الأمراء في جيش الإمام عليّ في حرب صفّين ، توفّي بالمدينة ( الأعلام 4 / 204 ) .