القاضي التنوخي

207

الفرج بعد الشدة

بلغت ، فتوقّف وأخذ يضعف ذلك في نفسي لئلّا أغتمّ . ومضت السنون ، فلمّا بلغت السنة التي ذكرها المنجّم ، ركبت مهرا لي ، وخرجت من دار الضرب « 4 » ، وأبي فيها ، وكان إليه العيار « 5 » ، فبلغت إلى ساباط « 6 » بدرب سيما ، بدرب الديزج . فنفر المهر من كلب كان في الطريق رابضا ، فضرب رأسي حائطا كان في الساباط ، فوقعت عن المهر مغشيّا عليّ . ثم حملت إلى دار الضرب ، وأحضر طبيب ، وقد انتفخ موضع الضربة من رأسي إنتفاخا عظيما ، فأشار بفصدي ، ففصدت فلم يخرج لي دم . فحملت إلى بيتنا ، ولم أشكّ في أنّي ميّت لشدّة ما لحقني ، فاعتللت ، وضعفت نفسي خوفا مما ذكرته من حكم المنجّم . فكنت يوما جالسا مستندا إلى سرير ، وقد أيست من الحياة ، إذ حملتني عيناي ، فخفق رأسي « 7 » ، فضرب درابزين « 8 » السرير ، فشجّ الموضع المنتفخ ، فخرج منه أرطال دم ، فخفّ ما بي في الحال ، فصلحت ، وبرئت ، وعشت إلى الآن . وكان له يوم حدّثني بهذا الحديث أربعا وثمانين سنة وشهور « 9 » ، على ما أخبرني « 10 » .

--> ( 4 ) دار الضرب : الموضع الذي تسكّ فيه النقود المعدنيّة ، وكان المكلّف بسكّها يثبت في أحد وجهيها ، أنّه ضرب بمدينة كذا ، في سنة ، كذا ، قال الشاعر : لا يألف الدرهم المضروب صرّتنا * لكن يمرّ عليها وهو منطلق ( 5 ) العيار : النظام ، والمقياس ، وعيار المسكوكات النقديّة ، ما فيها من الفضّة والذهب ، وكان هذا العمل يناط بالثقة الأمين ، وأغلب ما يودع لأحد القضاة ، كي لا يتلاعب عمّال دار الضرب بالعيار . ( 6 ) الساباط : السقيفة بين دارين ، بينهما طريق . ( 7 ) خفق برأسه : حرّكه وهو ناعس . ( 8 ) الدرابزين : الحاجز المتكوّن من قوائم من الخشب أو الحديد يعلوها متّكأ ، قال صاحب المنجد : إنّها يونانية ، وقال صاحب الألفاظ الفارسيّة المعربّة 60 إنّها فارسيّة ، والبغداديّون يسمّون الدرابزين : المحجّر ، فصيحة من الحجر ، وهو المنع ، لأنّ المحجّر ، يحفظ من السقوط . ( 9 ) يعني أنّه حدّثه بهذا الحديث في السنة 370 . ( 10 ) لم ترد هذه القصّة في م ولا في غ .