القاضي التنوخي
175
الفرج بعد الشدة
فإذا هي قد انكسرت ، على عظمها وضخامتها ، وسقطت أنا والشجرة إلى الأرض ، فلم أشكّ في أنّ الفيل يدومني . وإذا به قد جاء حتى وقف يتأمّلني ، وأحجمت الفيلة عنّي . فلما رأى الفيل العظيم قوسي وسهامي ، لفّ خرطومه عليّ برفق ، وشالني من غير أذى ، حتى وضعني على ظهره ، ورجع يريد الطريق التي كان أقبل منها ، وهرول ، وهرولت الفيلة خلفه ، حتى بلغ الماء ، والفيلة معه . فإذا قد خرج عليها ثعبان عظيم ينفخ ، فتأخّرت الفيلة ، وأشال الفيل الأعظم خرطومه ، فلفّه عليّ ، وأنزلني ، وتركني على الأرض ، وأخذ [ 244 غ ] يومىء بخرطومه إلى الثعبان برفق وتملّق . فسددت سهما إلى الثعبان ، ورميته ، فأصبته ، وتابعت رميه ، فانصرف مثخنا . فتقدّم إليه الفيل فداسه ، ثم عاد إليّ ، فأخذني بخرطومه ، وجعلني على ظهره وأقبل يهرول ، والفيلة خلفه . فجاء بي إلى غيضة لم أكن أعرفها ، أعظم من التي أخذني منها ، وأبعد بعدّة فراسخ ، وفيها فيلة ميتة ، لا يحصيها إلّا اللّه تعالى ، وأكثرها قد بلي جسده وبقيت عظامه « 3 » .
--> ( 3 ) ناقش الصياد جاد اللّه طانيوس ، موضوع مقبرة الأفيال في كتابه : الصيد في غايات السودان ، فقال في الصحيفة 120 و 121 من كتابه : من الفريد أنّ الفكرة القائلة بأنّ للأفيال مقبرة فيها موتاها ، وأنّ من يعثر عليها يسعد ويغنى ، تسلّطت على عقول الكثيرين من عشّاق الصيد ، خصوصا الأوربيّين ، وقد قال لي كثير من الرياضيّين إنّها صحيحة ، والحقيقة أنّه كثيرا ما تموت جماعة من الأفيال في بقعة واحدة بسبب مرض وبائي أو ضربة صاعقة ، وقد يصل عدد الضحايا من الأفيال إلى أثني عشر فيلا أو أكثر ، فإذا جاء أحد الصيّادين ، ورأى مجموعة كهذه من الأفيال الميتة ، وجد ثروة عظيمة ، وظن أنّه عثر على الكنز المسمّى « مقبرة الأفيال » وكلّ صيّاد يعرف عن طبيعة الفيل أنّه عندما يحسّ بدنّو أجله ، يحاول أن يستقرّ نهائيا في مكان فيه أشلاء الأفيال الميتة ، ولكن ليس من المستطاع أن يصل كلّ فيل مجروح أو مريض أو في حالة خطرة إلى النقطة التي يريدها ، أي المكان الذي فيه أشلاء من مات