القاضي التنوخي

158

الفرج بعد الشدة

فيقول للغلام : أعد الطّلاء عليّ ، فيعيده الغلام . حتى لم يبق في جسده موضع إلّا وقد طلاه ، وأعاد الطّلاء ثلاث مرات ، وصار الدهن ينقط من بدنه . وبخّر بدخنة ، فخرج الأفعى ، فطلبه الحوّاء وأخذ يحاربه ، وتمكّنت يد الحوّاء من قفاه ، فانثنى عليه فعضّ إبهامه . وبادر الحوّاء فخرم فاه ، وجعله في سلّة ، وأخرج سكينا معه فقطع إبهام نفسه ، وأغلى زيتا وكواها به ، وخرّ كالتالف . فحملناه إلى القرية ، فإذا بصبيّ من غلماني قد جاء ومعه ليمونة ، وكان الليمون إذ ذاك قليلا بالبصرة جدّا ، وعندي منه شجرة واحدة . فحين رأى الحوّاء الليمون [ 238 غ ] ، قال : هذا يا سيدي عندكم موجود ؟ قلت : نعم . قال : أغثني بكلّ ما تقدر عليه منه ، فإنّا نعرفه في بلدنا يقوم مقام الدرياق . فقلت : أين بلدك ؟ قال : عمان . فأتيته بكلّ ما كان عندي منه ، فأقبل يعضّه ويسرع في أكله ، وعمد إلى بعضه فاستخرج ماءه ، وأقبل يتحسّى منه ، ويطلي به الموضع ، وأصبح من غد وهو صالح . فسألته عن خبره ، فقال : ما خلّصني بعد اللّه عزّ وجلّ ، إلّا ماء الليمون ، وأظنّ أنّ أخويّ لو اتّفق لهما تناوله ما تلفا . قلت : فذلك الدهن الذي انطليت منه ، ما هو ؟ قال : الطلق ، الذي إذا طرح معه النار على الجسم حين لا يكون فيه خلل ، ما ضرّت النار الجسم ، وأمّا تلف إخواني ، فلأنّ بعض أبدانهم خلا من الطلاء ، أو جفّ عنه .