القاضي التنوخي
140
الفرج بعد الشدة
فأكل بأطراف أصابعه ، ولم يخرج يده من كمّه . فلمّا كان في غد ، قال عليّ بن خلف لحاشيته : [ ليدعه كلّ يوم واحد منكم ، فكانوا يدعونه ، ويدعون بعضهم بعضا ، فكانت صورته في الأكل واحدة . فقالوا ] « 5 » : لعلّ به برصا أو جذاما . إلى أن بلغت النوبة إليّ ، فدعوته ، ودعوت الحاشية ، وجلسنا نأكل ، وهو يأكل معنا على هذه الصورة ، فسألته إخراج يده والانبساط في الأكل ، فامتنع عن إخراج يده . فقلت له : يلحقك تنغيص بالأكل هكذا ، فأخرجها على أيّ شيء كان بها ، فإنّا نرضى به . قال : فكشفها ، فإذا فيها وفي ذراعه أكثر من خمسين ضربة ، بعضها مندمل ، وبعضها فيه بقيّة ، وعليها أدوية ، وهي على أقبح منظر . فأكل معنا غير محتشم ، وقدّم الشراب فشربنا ، فلما أخذ منه الشراب ، سألناه عن سبب تلك الضربات . فقال : هو أمر طريف أخاف أن لا أصدّق فيه . فقلت : لا بدّ أن تتفضّل بذلك . فقال : كنت عام أوّل قائما بحضرة الوزير ، فسلّم إليّ كتابا إلى عامل دمشق ، ومنشورا ، وأمرني بالشخوص إليه ، وإرهاقه بالمطالبة بحمل الأموال ، ورسم لي أن أخرج على طريق السّماوة « 6 » لأتعجّل ، وكتب إلى عامل هيت « 7 » بإنفاذي مع خفارة . فلما حصلت بهيت ، استدعى العامل جماعة من عدّة من أحياء العرب ،
--> ( 5 ) ساقطة من غ . ( 6 ) السماوة : بادية بين الكوفة والشام ( معجم البلدان 3 / 131 ) ، وكانت تسمّى أيضا : بادية كلب ، والعراقيّون يسمّونها الآن : بادية الشام . ( 7 ) هيت : بلدة على الفرات ، مجاورة البرية ، ذات نخل كثير ، وخيرات واسعة ( معجم البلدان 4 / 997 ) .