القاضي التنوخي

141

الفرج بعد الشدة

وسلّمني إليهم ، وأعطاهم مالا على ذلك ، وأشهد عليهم بتسلّمي ، واحتاط في أمري . وكانت هناك قافلة تريد الخروج منذ مدّة ، وتتوقّى البريّة ، فأنسوا بي ، وسألوني أن آخذ منهم لنفسي مالا ، وللخفراء الأعراب مالا ، وأدخلهم في الخفارة ، ويسيرون معي ، ففعلت ذلك ، فصرنا قافلة عظيمة . وكان معي من غلماني ممّن يحمل السلاح نحو عشرين غلاما ، وفي حمّالي القافلة والتجار جماعة يحملون السلاح أيضا . فرحلنا عن هيت ، وسرنا في البريّة ثلاثة أيّام بليالها ، فبينا نحن نسير إذ لاحت لنا خيل . فقلت للأعراب : [ 232 غ ] [ 220 ر ] ما هذه الخيل ؟ فمضى منهم قوم إليهم ثم عادوا كالمنهزمين . فقالوا : هؤلاء قوم من بني فلان بيننا وبينهم شرّ وقتال ، ونحن طلبتهم ، ولا ثبات لنا معهم ، ولا يمكننا خفارتكم معهم ، وركضوا منصرفين ، وبقينا متحيّرين ، فلم أشكّ أنّهم كانوا من أهلهم ، وأنهم فعلوا ذلك بمواطأة علينا . فجمعت القافلة ، وشجّعت أهلها وغلماني ، وضممت بعضها إلى بعض ، وأمرتهم بحمل السلاح ، ولأمة الحرب ، فصرنا حول القافلة من خارجها متساندين إليها كالدائرة . وقلت لمن معي : لو كان هؤلاء يأخذون أموالنا ويدعون جمالنا لننجو عليها كان هذا أسهل ، ولكنّ الجمال والدواب أوّل ما تؤخذ ، ونتلف نحن في البريّة ضيعة وعطشا ، فاعملوا على أن نقاتل ، فإن هزمناهم سلمنا ، وإن قتلنا كان أسهل من الموت بالعطش . فقالوا : نفعل . وغشينا القوم ، فقاتلناهم من انتصاف النهار إلى أن حجز الليل بيننا ، ولم يقدروا علينا ، وقتلنا عدّة خيل ، وجرحنا منهم جماعة ، وما ظفروا منّا بعورة ، وباتوا بالقرب منّا حنقين علينا .