القاضي التنوخي

50

الفرج بعد الشدة

ماء الأكارع الكراع ، في الدوابّ ما دون الكعب ، وفي الإنسان ، ما دون الركبة من مقدّم الساق ، ويطلق الكراع كذلك ، على مستدقّ الساق من ذوات الظلف ، وفي بغداد ، يكنّون عن النساء ، بقولهم : أمّهات كراع ، وربما كان ذلك ، لدقّة ساق المرأة ورقّته ، وماء الكراع : الماء الذي يطبخ به الكراع ، وهو طعام يستطيبه العرب قديما وحديثا ، وقد روي عن النبيّ صلوات اللّه عليه ، أنّه قال : لو دعيت إلى كراع لأجبت ، والكراع يؤكل في جميع البلاد العربية ، ويسمّى في مصر : كوارع ، وفي الشام : مقادم ، وفي لبنان : غمّي ، محرّف : غنمة ، بالإمالة ، وأمّا في بغداد ، فيسمّى : پاچه ، بالباء والجيم الفارسيتين ، والكلمة فارسية ، بمعنى كراع الماشية ( المعجم الذهبي ) ، والبغداديون يتأنّقون في صنع الپاچه ، وهي عندهم تشتمل على الكراع ، والرأس ، واللسان ، والكرش ، وهم يقطّعون الكرش قطعا ، ويحشون كلّ قطعة بمخلوط من الأرز واللحم واللوز والتوابل ، ثم يخيطونها ، ويسمّونها : كيبايات ، مفردها : كيباية ، وفي بغداد دكاكين عديدة ، عمل أصحابها مقصور على صنع الپاچه ، ويسمّى صاحبها : پاچه‌چي ، وچي ، فارسيّة تفيد النسبة ، ويقصد الناس هذه الدكاكين ، ويأكلون الپاچه في داخل الدكان ، وقد استعدّ صاحبه لذلك ، بمناضد ، وصواني ، وصحون ، وكراسي ، ومغاسل ، ومناديل ، والمتعارف أن يكون بجانب كلّ پاچه‌چي ، طرشچي ، أي بائع الطرشي ، والطرشي ، هو الكبيس ، أصل الكلمة فارسيّة ، ترش بمعنى الحامض ، أو ما فيه خل ، وإذا طلب القاصد الپاچه ، أحضر له الطرشچي المجاور ، كأسا من الطرشي ، يشتمل على أنواع الكبيس ، كالشلغم ( اللفت ) ، والباذنجان ، والخيار ، وثوم العجم ، وأنواع أخرى يطول ذكرها ، وأهل الكرخ من بغداد ، أكثر رغبة في الباچة ، وإقبالا عليها ، وكان في الكرخ عدد كبير من الپاچچية ، أشهرهم : ابن طوبان ، وبجواره طرشچي ، يعرف بحنانش ، وكان الناس يقصدونهما من أطراف بغداد ، وفي السنة 1929 - 1930 ، عندما كنت كاتبا في مجلس النّواب العراقي ، وكان المجلس في جانب الكرخ ، في البناء الذي شاده مدحت باشا رحمه اللّه ، على شاطئ دجلة ، واتّخذه مستشفى ، كنت أنا وأصحابي من الكتّاب ، مولعين بپاچة ابن طوبان ، وطرشي حنانش ، أمّا في أيّامنا هذه فقد انتقل سوق الپاچة ، إلى جانب الرصافة ، فاتّخذ لها أصحابها دكاكين في منطقة الشيخ عمر ، وضعفت شهرة ابن طوبان ، وحنانش ، وجميع پاچچية الكرخ .