القاضي التنوخي
300
الفرج بعد الشدة
فقالوا : وجدنا هذا القتيل ، وهذا الفيج معه ، فضربناه ، ولم يقرّ . فرأيت به أثر ضرب عظيم ، فسألته عن خبره ، فقال : أنا معروف بالمدائن بسلامة الطّريقة ، ومعاشي التفيّج ، أنفذني فلان بن فلان من المدائن ، إلى فلان بن فلان من أهل بغداد ، بهذه الكتب ، وأخرج إضبارة « 11 » ، فدخلت أوائل بغداد وقت العتمة ، فوجدت في الطّريق رجلا مقتولا ، فجزعت ، ولم أدر أين آخذ ، فأنا على حالي إذ أدركني الأعوان ، فظنّوني قتلته ، وو اللّه ما أعرفه ، ولا رأيته قطّ ، وقد حبسوني وضربوني ، فاللّه ، اللّه ، في دمي . فقلت : قد فرّج اللّه عنك ، انطلق حيث شئت ، ثمّ أخذت الرجّالة ، ومضيت إلى طاق العكّي « 12 » ، فإذا الثّلاث غرف مصطفّة ، فهجمت على الوسطى ، فإذا فيها رجل سكران عليه سراويل فقط ، وفي يده سكّين مخضّب بالدم ، وهو يقول : أخ عليك ، والك ، نعم يا سيدي ، أنا جرحته ، أخو القحبة « 13 » ، وإن مات فأنا قتلته ، فأنزلته مكتوفا ، وبعثت به إلى الحبس ، وانحدرت إلى الموفّق ، فأعلمته بالحديث ، فتعجّب ، وتقدّم إليّ أن أضرب القاتل بالسّياط إلى أن يتلف ، وأصلبه في موضع جنايته ، فتشاغلت بذلك إلى أن فرغت منه ، ثمّ جئتك « 14 » .
--> ( 11 ) الإضبارة : بكسر أوّله ، المجموعة من الصحف . ( 12 ) في ظ ور : طاق السكك ، وفي ه : طاق التك . ( 13 ) هذه الكلمات التي نطق بها العيّار السكران ، ما يزال العيّارون البغداديون يستعملونها الآن ، كما كان أسلافهم منذ أكثر من ألف عام ، والبغداديون يسمون العيّارين الآن : الأشقياة ، ويسمون العيارة : الشقاوة ، لاحظ أنّ كلمة : والك ، أصلها : ويلك ، للتفصيل راجع حاشية القصّة 478 من هذا الكتاب . ( 14 ) لم ترد هذه القصّة في م ولا في غ .