القاضي التنوخي
271
الفرج بعد الشدة
وكان قد أفرد لهذا كاتبا حصيفا يقال له : الحسن بن مسلمة ، يتصفّح [ 124 م ] الرّقاع قبل عرضها عليه ، فما كان يجوز أن يوقّع عنه فيه بخطّه ، وقّع وسلّمه إلى أربابه ، وما كان لا بدّ من وقوفه عليه ، وتوقيعه فيه بخطّه ، أوقفه عليه ، ومن كان من النّاس زائرا ، أو مسترفدا ، عرضت رقعته عليه ، فيكون هو الموقّع فيها بما يراه فلا يكاد ينصرف أحد من ذلك الجمع العظيم المفرط ، إلّا وهو مسرور بقضاء حاجته . قال أبو عصمة : وكان ممّن يتصرّف في الأعمال ، رجل من الأعراب ، ذو لسان وفصاحة ، يقال له : حامد بن عمرو الحرّانيّ ، وكان فيه إلحاح شديد ، وملازمة تامّة إذا تعطّل ، فيؤذي بذلك ويبرم . وكان يخاطب خزيمة في أيّام الثلاثاء ، ولا يقنع بذلك ، حتّى يلازم بابه كلّ يوم ، وإذا ركب خاطبه على الطّريق ، وربّما تعرّض له في دار الخليفة فخاطبه ، ولم يكن في طبع خزيمة احتمال مثل ذلك . قال أبو عصمة : فحدّثني الحسن بن مسلمة ، كاتب خزيمة ، قال : نظر خزيمة إلى هذا الرّجل في داره ، وكان قد لقيه في الطّريق ، فخاطبه قبل ذلك بيوم ، وأضجره ، ووافق من خزيمة ضجرا بشيء حدث من أمور المملكة ، مع ما فيه من الجبروتية والكبر . فحين خاطبة الرّجل ، صاح فيه ، وأمر بإخراجه من داره إخراجا عنيفا ، ثمّ دعاني ، فقال : واللّه ، لئن دخل هذا داري ، لأضربنّ عنقه ، ولئن وقف لي على طريق ، أو كلّمني في دار السلطان ، لأضربنّ عنقه ، فأخبره بذلك ، وحذّره ، وتقدّم إلى البوّابين والحجّاب بمنعه ، وكان خزيمة إذا وعد أو توعّد ، فليس إلّا الوفاء .