القاضي التنوخي

197

الفرج بعد الشدة

وجميع ما يتعلّمه الفرسان ، وتقدّم بمنعه من سكنى المنازل ، وأمر أن ينزل في [ 79 ر ] المضارب ، وأن يمنع من أكل اللّحم إلّا ما يصيده طائر يحمله على يديه ، أو كلب يسعى بين يديه ، أو صيد بسهمه ، فكانت تلك حاله حتّى استوفى عشر سنين ، ثمّ مات عمّه ، وولي أبوه البطرقة بعد عمّه ، وأمره بالقدوم عليه ، فلمّا رآه ، ورأى فهمه ، وأدبه ، وشمائله ، اشتدّ عجبه به ، فسمح له بما لم تكن الملوك تسمح به لأولادها « 13 » ، وأعدّ له المضارب « 14 » والفساطيط « 15 » الدّيباج « 16 » ، وضمّ إليه جماعة كثيفة من الفرسان ، ووسّع على الجميع في كلّ ما يحتاجون إليه ، وردّه إلى سكنى المضارب ، وأخذه بالاستبعاد عن منازل أبيه . قال البطريق : فلمّا تمّت لي خمس عشرة سنة ، ركبت يوما لارتياد مكان أكون فيه ، فبصرت بغدير « 17 » ماء قدّرت طوله ألف ذراع وعرضه ما بين ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع ، فأمرت بضرب مضاربي عليه ، وتوجّهت إلى الصّيد ، فرزقت منه في ذلك اليوم ، ما لم أطمع في مثله كثرة ، ونزلت في بعض المضارب فأمرت الطبّاخين ، فطبخوا لي ما اشتهيت من الطعام ، ثمّ نصبت المائدة بين يدي . فإنّي لأنظر إلى الطبيخ يغرف ، إذ سمعت ضجّة عظيمة ، فما فهمت خبرها حتّى رأيت رؤوس أصحابي تتساقط عن أبدانهم ، فتنحّيت عن مكاني

--> ( 13 ) في غ : تتسمّح به لولاة عهودها . ( 14 ) المضارب ، مفردها مضرب : الخيمة العظيمة . ( 15 ) الفساطيط ، مفردها فسطاط : البيت من الشعر . ( 16 ) الديباج : الدبج ، النقش والتزيين ، فارسيّ معرّب ( لسان العرب ) ، والديباج : القماش الذي سداه ولحمته حرير ( المنجد ) ، وتتخذ من الديباج الثياب ، والستور ، كما تتّخذ منه البسط والفرش ، ومن خصائص سجستان ، الفرش الديباج ( لطائف المعارف 213 ، ونهاية الأرب 1 / 366 ) ، قال كوركيس عوّاد : الديباج ضرب من الثياب الفاخرة ، ملوّن ألوانا ، وهو المعروف عند العراقيّين اليوم بالقنويز ( الديارات 161 ) . ( 17 ) الغدير : قطعة من الماء يتركها السيل .