القاضي التنوخي

193

الفرج بعد الشدة

فتبيّن لنا من فظاظته وغلظته ، ما أيقنّا معه بالهلكة ، ثمّ دعا بالحدّادين ، فأمر بتقييد المسلمين بأمثال « 7 » ما كان يقيّدهم به غيره ، فلم يزل الحديد يعمل في رجل واحد واحد ، حتّى صار الحدّاد إليّ ، فنظرت إلى وجه البطريق فرأيته قد نظر إليّ نظرا بخلاف العين الّتي كان ينظر بها إلى غيري ، ثمّ كلّمني بلسان عربيّ ، فسألني عن اسمي ونسبي ومسكني ، بمثل ما سألني عنه أمير المؤمنين ، فصدقته عمّا سألني عنه . ثمّ قال لي : كيف حفظك لكتابكم ؟ فأعلمته أنّي حافظ . قال : اقرأ آل عمران ، فقرأت منها خمسين آية . فقال [ 139 غ ] : إنّك لقارئ فصيح ، ثمّ سألني عن روايتي للشّعر ، فأعلمته أنّي رواية . فاستنشدني لجماعة من الشعراء ، فقال : إنّك لحسن الرواية . ثمّ قال لخليفته : إنّي قد ومقت « 8 » هذا الرّجل ، فلا تحدّده . ثمّ قال : وليس من الإنصاف أن أسوءه في أصحابه ففكّ الحديد عن جماعتهم ، وأحسن مثواهم ، ولا تقصّر في قراهم . ثمّ دعا صاحب مطبخه ، فقال له : لست أطعم طعاما ، ما دام هذا العربيّ عندي ، إلّا معه ، فاحذر أن تدخل مطبخي ما لا يحلّ للمسلمين أكله ، وأن تجعل الخمر في شيء من طبيخك ، ثمّ دعا بمائدته ، واستدناني حتّى قعدت إلى جانبه « 9 » . فقلت له : فدتك نفسي وبأبي أنت ، أحبّ أن تخبرني من أيّ العرب أنت ؟

--> ( 7 ) بأمثال : بأضعاف . ( 8 ) ومقت : أحببت ، والمقة : المحبّة . ( 9 ) في غ : قعدت بلزقه .