القاضي التنوخي

194

الفرج بعد الشدة

فضحك وقال : لست أعرف لمسألتك جوابا ، لأنّي لست عربيّا فأجيبك على سؤالك . فقلت له : مع هذه الفصاحة بالعربية ؟ فقال : إن كان العلم باللّسان ينقل الإنسان من جنسه إلى جنس من حفظ لسانه ، فأنت إذا روميّ ، فإنّ فصاحتك بلسان الرّوم ، ليست بدون فصاحتي بلسان العرب ، فعلى قياس قولك ينبغي أن تكون روميّا ، وأكون أنا عربيا . فصدّقت قوله ، وأقمت عنده خمس عشرة ليلة ، لم أكن منذ خلقت ، في نعمة ، أكبر منها . فلمّا كانت ليلة ست عشرة ، فكّرت [ 104 ظ ] أنّ الشّهر قد مضى نصفه ، وأن اللّيالي تقرّبني من الانتقال إلى غيره ، فبتّ مغموما . وصار رسوله إليّ ، في اليوم السادس عشر ، يدعوني إلى طعامه ، فلمّا حضر الطعام بين أيدينا ، رأى أكلي مقصّرا عمّا كان يعهد [ 78 ر ] ، فضحك ، ثمّ قال لي : أحسبك يا عربيّ ، لما مضى نصف الشّهر ، فكّرت في أنّ الأيّام تقرّبك من الانتقال عنّي إلى غيري ممّن لا يعاملك بمثل معاملتي ، ولا يكون عيشك معه مثل عيشك معي ، فسهرت ، واعتراك لذلك غمّ غيّر طعامك ، فأعلمته أنّه قد صدق . فقال : [ ما أنا إن لم أحسن الاختيار لصديقي بحرّ ، و ] 1 قد أمّنك اللّه ممّا حذرت ، ولم ألبث في اليوم الّذي وصلت إليّ فيه ، حتّى سألت الملك ، فصيّرك عندي ، ما كنت في أرض الرّوم ، فلست تنقل عن يدي ، ولا تخرج منها إلّا إلى بلدك ، وأرجو أن يسبّب اللّه ذلك على يدي ، فطابت نفسي ، ولم أزل مقيما عنده ، إلى أن انقضى الشّهر . فلمّا انقضى ، ضرب بالقداح ، فخرج الأوّل ، والثّاني ، والثالث ، لبطارقة غير الّذي نحن عنده ، فحوّل أصحابي ، وبقيت وحدي .