القاضي التنوخي
169
الفرج بعد الشدة
إذ قال لها : أتأذنين لي أن آتي الأكمة ، فأتشرّق عليها « 4 » ؟ فقد أضرّ بي البرد . فقالت له : نعم ، وكانت عليه جبّة حبرة « 5 » ، لم يترك عليه غيرها . فمشى في قيوده حتّى صعد الأكمة ، ثمّ أقبل يضرب ببصره نحو اليمن ، وتغشاه عبرة ، فبكى ، ثمّ رفع طرفه إلى السماء ، فقال : اللّهم فاطر السّماء ، فرّج لي ممّا أصبحت فيه . فبينما هو كذلك ، إذ عرض له راكب [ 132 غ ] يسير ، فأشار إليه أن أقبل ، فأقبل عليه الراكب ، فقال له : ما حاجتك ؟ قال : أين تريد ؟ قال : أريد اليمن . قال : ومن أنت ؟ قال : أبو الطمحان القيني « 6 » ، فاستعبر قيسبة . فقال أبو الطمحان : من أنت ؟ فإنّي أرى عليك سيما الخير ولباس الملوك ، وأنت بدار ليس فيها ملك . فقال : أنا قيسبة بن كلثوم السكوني ، خرجت عام كذا وكذا حاجّا ، فوثب عليّ أهل هذا الحي ، وصنعوا بي ما ترى وكشف له عن أغلاله وقيوده ، فاستعبر [ 99 ظ ] له أبو الطمحان . فقال له قيسبة : هل لك في مائة ناقة حمراء ؟ قال : ما أحوجني إلى ذلك .
--> ( 4 ) التشرّق : القعود في المشرقة ، وهي موضع الشمس في الشتاء . ( 5 ) الحبرة : ضرب من برود اليمن ، كما أنّ الملاءات السوداء التي تلبسها النساء تسمى : حبرة ، وثمّة نوع من القماش يشبه الحرير ، يسميه أصحاب البزّ في بغداد : حبر . ( 6 ) أبو الطمحان حنظلة بن شرقي القيني : شاعر من قضاعة ، فارس ، معمّر ، عاش في الجاهلية ، وأدرك الإسلام ، فأسلم ، وهو صاحب البيت المشهور : ( الأعلام 2 / 322 ) أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم * دجى الليل حتّى نظّم الجزع ثاقبة