القاضي التنوخي
138
الفرج بعد الشدة
فقال : على أنّ لي الأمان والكتمان . فقلت : نعم . فقال : كان الرّسم الّذي تعرفه على كلّ عريف في الدّار من الفرّاشين ، أن يدخل يوما من الأيّام ، هو ومن معه في عرافته ، إلى دور الحرم ، لرشّ الخيوش الّتي فيها . فبلغت النّوبة إليّ ، في يوم كنت فيه مخمورا ، فدخلت ، ومعي رجالي ، إلى دار فلانة - وذكر حظيّة جليلة من حظايا المقتدر باللّه - لرشّ الخيش . فلعظم ما كنت فيه من الخمار ، ما رششت قربتي ، ولم أخرج بخروج الرّجال ، وقلت لهم : امضوا ، فهاتوا قربكم لإتمام الرشّ ، فإذا رششتموها فأنبهوني ، فإنّي نائم هنا . ودخلت خلف الخيش ، إلى باب بادهنج « 4 » تخرج منه ريح طيّبة ، فنمت ،
--> ( 4 ) البادهنج : جاء في شفاء الغليل 41 انه معرب بادخون أو بادگير ، فارسيّة ، تعني المنفذ الذي يجيء منه الريح ، قال أبو الحسن الأنصاري : ونفحة بادهنج أسكرتنا * وجدت لروحها برد النعيم صفا جري الهوا فيه رقيقا * فسميناه راووق النسيم أقول : ويستعمل البادهنج أو البادگير في أيّام الصيف ، حيث يلتجئ البغداديّون للتخلّص من الحر إلى غرف تتّخذ تحت مستوى أرض الدار ، في موضع ينفذ إليه الضوء ، ولا تصل إليه الشمس ، تسمى السراديب ، مفردها سرداب ، فارسيّة ، بمعنى الماء البارد ( شفاء الغليل 105 ) ويجهّز السرداب بالبادهنج أو البادگير ، وهو منفذ في الحائط يمتدّ من أعلاه إلى أسفله ، عرضه متر ، وعمقه بحيث ينفذ فيه بدن الإنسان ، في راحة ويسر ، ويبنى له في أعلاه فم واسع يستقبل الهواء ويجرّه إلى أسفل فينفذ إلى السرداب باردا عذبا ، وربما ساقوا الهواء إلى بئر في السرداب ، فيمرّ بها ، ثم يساق إلى أقنية تتخلّل ساحة السرداب فينفذ من منافذ فيها ، ويسمّيه البغداديون « زنبور » ، راجع في مطالع البدور 1 / 45 - 49 ما قاله الشعراء في البادهنج .