القاضي التنوخي
135
الفرج بعد الشدة
ثمّ قال لي : قد وهب لي أمير المؤمنين ذنبك ، وابتعت منه جرمك بمائة ألف دينار ، ألزمتك إيّاها . فقلت : أيّها الوزير ، ما رأيت بعضها قطّ مجتمعا . فغمزني بأن أسكت ، وجذبني قوم من وجوه الكتّاب ، كانوا ورائي ، فسكّتوني ، فعلمت أنّ الوزير ابن الفرات ، أراد تخليصي ، وحقن دمي . فقلت : عليّ كلّ ما يأمر الوزير أعزّه اللّه . فقال : احملوه إلى داري . قال : فأخذت ، وحملت إلى داره ، فقرّر أمري على مائة ألف دينار ، على أن أؤدّي منها النصف عاجلا ، ويصير النّصف في حكم الباطل على رسم المصادرات . فلمّا صرت في دار ابن الفرات ، وسّع عليّ في المطعم ، والمشرب ، والملبس ، وأدخلت الحمّام ، ورفّهت ، وأكرمت . فرأيت ، لما خرجت من الحمّام ، وجهي في المرآة ، فإذا طاقات شعر قد ابيضّت في مقدّم لحيتي ، فإذا أنا قد شبت في تلك الليلة الواحدة .
--> الوزير ابن الفرات ، في زمن وزارته للمقتدر ، وعمّرها ، وأنفق عليها ثلاثمائة ألف دينار ، واتّخذها دارا للوزارة ، وبقيت كذلك ، من بعده ، حتى باعها القاهر ، ثمّ صارت أيّام البويهيّين دارا للمملكة ، واقتطع القائد سبكتكين ، حاجب معز الدولة ، جزءا منها ، واقتطع القائد الديلميّ لشكرورز ، جزءا آخر منها ، ثم إنّ عضد الدولة هدم ما فيها من أبنية ، وعمّر فيها دارا ، وأنشأ بستانا أجرى إليه الماء من نهر الخالص ، وكان مجموع ما أنفقه على الدار والبستان عشرة آلاف ألف درهم ( الوزراء 63 ، 199 ، 335 ، 368 والقصّة 4 / 129 من النشوار ) وكانت مساحة دار الوزارة مائة ألف وثلاثة وسبعون ألف وثلاثمائة وستة وأربعون ذراعا ( الوزراء 29 ) ، وكان للوزير دار ثانية ، في دار الخلافة ، يقيم فيها ، عندما يحضر إلى دار الخلافة ، ليكون قريبا من الخليفة يتلقّى أوامره ، وهذه الدار الثانية هي التي استقبل فيها الوزير ابن الفرات ، رسول ملك الروم في السنة 305 ، راجع المنتظم ج 6 ص 144 سطر 1 و 2 .