القاضي التنوخي

106

الفرج بعد الشدة

من وعثاء السفر وشدّة الجهد ، أكبر أعواننا عليهم ، [ فما هو إلّا أن أحقق عليهم « 8 » ] « 9 » حتّى ينهزمون ، وإن استراحوا ، فأقاموا ، وكانوا عددا لا قبل لنا به ، فيهزمونا ، لا يقدر جيشك على أكثر من هذا ، فانهزم عنهم مقدار عشرين فرسخا ، وأجول في الصحراء شهرا ، ثمّ أكبسهم على غرّة ، فأقتلهم ، وإن لم يستو لي هذا ، وكانوا متحرّزين ، فما يمكنهم الطواف خلفي في البراري والصحاري ، ثم لا يحملهم البلد في المقام ، ولا الزاد ، إن كانوا كثيرين ، فإن انصرف الجمهور منهم ، وبقي الأقلّ ، فهم قتلى سيوفي ، في أوّل يوم ينصرف الجيش ، ويبقى من يتخلّف ، هذا إن سلموا من وباء هذا البلد ، ورداءة مائه وهوائه الّذي لا طاقة لهم به ، لأنّهم نشئوا في ضدّه ، وربوا في غيره ، ولا عادة لأجسامهم بالصبر عليه ، ففكّر في هذا ، وانظر ، هل يفي تعبك ، وتغريرك بجيشك وعسكرك ، وإنفاقك الأموال ، وتجهيزك الرجال ، وتكلّفك هذه الأخطار ، وتحمّلك هذه المشاقّ ، بطلبي ، وأنا مع هذا خالي الذرع منها ، سليم النفس والأصحاب من جميعها ، وهيبتك تنخرق في الأطراف عند ملوكها ، كلّما جرى عليك من هذا شيء ، ثمّ لا تظفر من بلدي بطائل ، ولا تصل منه إلى مال ولا حال ، فإن اخترت بعد هذا محاربتي ، فاستخر اللّه عزّ وجلّ وأنفذ من شئت ، وإن أمسكت ، فذاك إليك . قال : ثمّ جهّزني ، وأنفذني مع عشرة من أصحابه إلى الكوفة ، فسرت منها إلى الحضرة . ودخلت على المعتضد ، فتعجّب من سلامتي ، وقال : ما خبرك ؟ فقلت : شيء أذكره سرّا لأمير المؤمنين .

--> ( 8 ) حقّق الأمر : أكّده وأوجبه ، وحقّ العقدة : شدّها ، والحقّة : الداهية . ( 9 ) الزيادة من غ .